مجلة شهرية - العدد (500)  | رمضان 1439 هـ- يونيو 2018 م

كتب وقراءات


الكتاب: في الفلسفة الإسلامية.. دراسة ونقد
المؤلف: جمال رجب سيدبي
الناشر: الهيئة العامة لقصور الثقافة، 2017.
محاولة لإلقاء الضوء على بعض القضايا الكبرى التي تتصل بمجال الفلسفة الإسلامية بمعناها الشامل، بقصد سبر غورها والوصول إلى كنهها، وذلك بتحليل أفكار شخصيات كبيرة مثل شخصية الملا صدر الدين الشيرازي وابن سينا وابن رشد وأبي حامد الغزالي ومسكويه وأبي البركات البغدادي، وكلها لها أثرها البالغ في محيط الفلسفة الإسلامية. وقد سعى الباحث -كما ذكر في تقديمه للكتاب- إلى التأكيد على خصوصية التصور الإسلامي وتميزه عن التصورات الأخرى: (فالفكرة في محيط حضارتها تختلف في دلالاتها عندما تنقل إلى حضارة أخرى، وهذا ما حدث مع الفلاسفة المسلمين الذين استوعبوا فلسفة الإغريق، وأضافوا إليها وأبدعوا من بنات أفكارهم).

 

الكتاب: الزعتر الأخير

المؤلف: مروان عبد العال
الناشر: دار الفارابي، 2017
قد يعلم الزعتر أنه منذ اليوم الذي استصحبه أبوه لكي يعرّفه إلى مغاور وادي الحنداج، بات حلمه الصغير بأن يصبح راعياً للماعز يمكن أن يتحقق، لكن الذي لم يعلمه أنه سيصبح حلماً لا يكبر ولا يزول ولا يُنسى، أدرك ذلك عندما أصيب بالذاكرة المفرطة التي منحته قدرة هائلة على الاستذكار وأمدته بطاقة قوية تجعل الشخص يتذكر كل تفاصيل حياته بشكل فوتوغرافي، يستعيد تفاصيلها مدى الحياة، أحياناً يؤلمه بعضها ولكنه وقع في سردٍ لا يتوقف، لسائر الأحداث اليومية التي مرت بحياته وبمنتهى الدقة، حالة لم تولد معه بتاتاً، فقد تعرض لها في مرحلة من حياته وأدخلته في استنطاق حياة منسية، لم يكن يعرف أنها سترجع مع أرشيف الأحداث والصور المخزّنة في خلايا دماغه منذ الطفولة.

 

الكتاب: واحد ولا أحد ومئة ألف
المؤلف: لويجي بيراندلو
المترجم: أمارجي
الناشر: منشورات المتوسط، إيطاليا، 2017.
هذه الرواية التي يصفها بيراندلو نفسه، في رسالة من رسائل سيرته الذاتية، فيقول: (النص الأكثر مرارة من أي نص آخر، الساخر أعمق ما تكون السخرية من تحلل الحياة نفسها)؛ هي عمله الروائي الوحيد والأخير. وهو الذي سينظر إليه كثير من الدارسين والمفكرين لاحقاً على أنه تكثيف لكل الأفكار واختصار لكل العوالم التي أراد بيراندلو التعبير عنها في الرواية والقصة والمسرح.
ولا غرو في ذلك إذا ما علمنا أن بيراندلو عمل خمسة عشر عاماً على إنجاز هذه الرواية، وقد قال هو نفسه إنه أبداً لم يضعها جانباً بين عمل وآخر، بل واصل العمل عليها والتعديل فيها، معتبراً إياها بعد كل شيء أشبه بوصيته الفكرية والأدبية. ومع ذلك، ليس من الإنصاف القول إن هذه الرواية رواية فكرية فحسب، فهي وإن كانت تنطلق من فكرة فلسفية ووجودية إلا أنها لا تغفل الحدث الروائي وبناء الشخصية الروائية، وهذا ما يجعلها في رأي كثيرين من طينة (المسخ) لكافكا، أو (يوليسيس) لجيمس جويس، أو حتى (البحث عن الزمن الضائع) لبروست.

 

الكتاب: الثورة الجزائرية في الدراسات المعاصرة
المؤلف: مولود عويمر
الناشر: شركة الأصالة للنشر، 2017.
تضمن هذا الكتاب الجديد مجموعة من الدراسات والبحوث مما كتب باللغتين العربية والفرنسية، عن صورة الثورة التحريرية في الكتابات المعاصرة. وحسبي أن أذكر هنا بعض العناوين: (الثورة الجزائرية في كتابات الدكتور أبي القاسم سعد الله)، (الثورة الجزائرية في كتابات المؤرخ الفرنسي شارل روبير أجرون)، (الثورة الجزائرية في الدراسات الفرنسية (1954 - 2014))، (الثورة الجزائرية في كتابات المثقفين الجزائريين).

الكتاب: أنفض عني الغبار
المؤلف: ليلى العثمان
الناشر: دار العين للنشر، القاهرة، 2017.
ليس العمل الأول في أدب السيرة الذاتية عند ليلى العثمان، فقد أنجزت قبل هذا (بلا قيود دعوني أتكلم) (1999)، و(المحاكمة) (2000). في هذا الكتاب تعود إلى مرحلة مبكرة من طفولتها ومراهقتها وشبابها تغوص في حكاية عائلة منذ أربعينات القرن العشرين، والتحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والدينية التي عصفت بها. تلك المتغيرات التي صنعت شخصيتها بوصفها حلمت ثلاثة أحلام، بأن تكون إنسانة محبوبة، وكاتبة كبيرة على مستوى الوطن العربي، وأماً لها عائلة.
وحين تتجول في هذا الكتاب المكون من شقين؛ الأول، يؤرخ لحياتها الأسرية في البيت العود، الأب المزواج، والمتعدد جنسيات زوجاته، والمفارقة في الجوع على الثراء، وحنان الزوج على قسوة الأب، والزوج العربي على ابن العم الكويتي، وعلو شأن الأدب على خديعة الصحافة. وأما الثاني، فهو حوار ما بين الكاتبة وأعمالها السردية، قصصاً أم روايات، مصادرها الأدبية، وصناعة الشخصيات، وعالم النشر والرقابة، ومشاريع أدبية مؤجلة.
تقدم هذا الكتاب الشاعرة نجمة إدريس:
وعليه، فهذا الكتاب لا يحكي سيرتها الذاتية فقط، لكن هو أيضاً سيرة مدينتها، مدينة الكويت إبان أربعينات وخمسينات وستينات القرن العشرين. إن المعلومات عن مدينة الكويت القديمة لا ترد على سبيل الوصف والتقصي فقط، بل تتحول إلى لون من التوحد الشفيف بين الكاتبة ومدينتها يبلغ حدّ النوستالجيا العذبة المغموسة بخيالات هاربة وذكريات ثمينة ونادرة. وطالما شهدنا هذا اللون من التقمص والتداخل بين الكُتاب ومدنهم في السير الذاتية، فالإنسان بنهاية المطاف ليس سوى نتاج مجتمعه وبيئته، والعين الشاخصة التي تسجل، والقلب الذي ينبض. إن الحديث عن المدن في السير الذاتية يختلف تماماً عما يرد في التاريخ والجغرافيا، إنه حديث عن الحياة في تدفقها وحرارتها وامتلائها بالزخم.
لم تغفل ليلى العثمان وهي تستعرض صعوبات طفولتها وصباها، أن تعرج لاحقاً على رصد فصول تالية من حياتها ممتلئة بالعافية والمباهج. فقد لانت لها الحياة، وابتسمت بعد عبوس، وأفسحت أمامها الطريق لزيجات موفقة وأبناء بارين، ومسيرة للكتابة والأدب لا تزال تقطف ثمارها.
ولا شك أن مساهمات ليلى العثمان في مجال القصة والرواية ستظل علامة من علامات الأدب المعاصر، ودلالة على مرحلة مهمة من مراحل أدبنا المحلي على وجه الخصوص، لما تحفل به تلك النتاجات من ملامح اجتماعية وثقافية تحيلها إلى ما يشبه التاريخ المحكي، بعناصره وتفاصيله ووجوهه الفارقة، فضلاً عن الاحتفاء بقضايا الإنسان وهمومه، بلغة جميلة دانية وحميمية لافتة.
(أنفض عني الغبار) إضافة مهمة لأدب السيرة الذاتية في منطقتنا خاصة، حيث ندرة هذا اللون من الكتابة، وإن وجدت، فعلى استحياء وتردد! ولعل هذه المبادرة تنفض الغبار عن القرائح المتلكئة، وتؤسس لهذا الأدب الشائق.
ليلى العثمان. كاتبة كويتية. بدأت في الصحافة منذ 1965. كتبت المقالة والقصة القصيرة والسيرة والرحلات وأدب الحرب.
الأعمال السردية: القصة القصيرة، امرأة في إناء (1976)، الرحيل (1979)، في الليل تأتي العيون (1980)، الحب له صور (1982)، فتحية تختار موتها (1987)، حالة حب مجنونة (1989)، 55 حكاية قصيرة (1992)، الحواجز السوداء (1994)، يحدث كل ليلة (1998)، ليلة القهر (2005)، قصيرة جداً (2007)، عباءة المقام (2011). الروايات، المرأة والقطة (1985)، وسمية تخرج من البحر (1986)، العصعص (2002)، صمت الفراشات (2007)، خذها لا أريدها (2010)، حلم الليلة الأولى- العصعص (2010)، حكاية صفية (2013). السيرة، بلا قيود.. دعوني أتكلم (1999) المحاكمة (2000). الرحلات، أيام في اليمن (2004). أدب الحرب، يوميات الصبر والمر (2003). الشعر، وردة الليل (2008).

د.هند السديري والنسخة الإنجليزية من كتاب:
المرأة الحديثة في المملكة العربية السعودية
المجلة العربية: الرياض
صدرت النسخة المترجمة إلى الإنجليزية من كتاب الدكتورة هند بنت تركي السديري الذي يحمل عنوان: (المرأة الحديثة في المملكة العربية السعودية..الحقوق، التحديات، الإنجازات).
تهدف الكاتبة هند السديري إلى تقديم المرأة السعودية بصورة محايدة، حيث ترى أنّ ثمة غموضاً حول هذه المرأة، وفهماً خاطئاً عن حياتها، يضعها في صورتين نمطيتين، هما: المرأة المضطهدة الجاهلة، أو المترفة التي تحاكي فكرة (الحريم)؛ في حين أنّ الحقيقة بعيدة عن هذه التصورات. وفي الحين الذي دافع فيه عدد من الكتاب والنشطاء السعوديين والأجانب عن حقوق المرأة في السعودية دون إذن منها؛ يزداد الغموض حول المرأة السعودية بغيابها عن الساحة العالمية حتى السنوات الأخيرة من القرن الماضي، حيث كان من النادر أن تشارك النساء في وفود المؤتمرات والبعثات. يتفاجأ الزوّار الأجانب لدى لقائهم بالنساء السعوديات، فيتعرفون على الطبيبة والمهندسة والصحفية، وهي صورة تختلف تماماً عن المرأة المظلومة حبيسة البيت.
تشير الكاتبة إلى أنّ جذر الاختلاف بين التصوّرات الخاطئة والحقائق هو عدم استيعاب النظام (الأبوي)، وأنّ ما يعتبره الغرب اضطهاداً هو في السعودية نظام يحظى باحترام ودعم النساء، إذا كان في حدود ضوابط الشريعة الإسلامية. يوضح الكتاب في فصوله الاختلافات الثقافية بين السعودية والبلدان الأخرى مع مساعٍ لشرح الثقافة السعودية من منظور (امرأة سعودية هي نتاج البيئة والثقافة والتربية السعودية، وأدرى بها من غيرها)، كما وصفت الكاتبة نفسها.
يأتي الكتاب في ستة فصول، وفق تسلسل زمني يسهل على القارئ استيعاب المراحل التاريخية المختلفة للمرأة في السعودية. ويتناول كل فصل حقبة تاريخية مهمة من: الحياة البدوية في الفصل الأول، حتى إبداع المرأة السعودية في تأليف الروايات والتي تقدم نقداً للواقع الاجتماعي ومحاكاة له في الفصل الخامس. أما الفصل الأخير فيحلل العقبات والتحديات الحديثة التي تواجهها المرأة السعودية، وتبرز إنجازاتها في العقود الخمس الأخيرة رغم الصعوبات.

الديوان: النشيد التائه
الشاعر: ثريا عبدالفتاح ملحس
الناشر: دار الكتاب، بيروت، 1947.
ثلاث حركات شعرية استحكمت في الشعر العربي طي القرن العشرين، الشعر المرسل (التناظري المتنوع القوافي)، والشعر الحر (التفعيلة -فيما بعد)، وقصيدة النثر (الشعر المنثور سابقاً).
إذا كان الشعر المرسل عاش بين العشرينات والثلاثينات حتى مطلع الأربعنات فانطفى وهجه لصالح الشعر الحر، فإن الشعر المنثور استمر جنباً إلى جنب النوعين السابقين، وهذا واضح في أعمال كل من جبران خليل جبران وأمين الريحاني والجيل اللاحق الذي سبقت ملحس تطلعاته متمثلاً بالشاعر المصري حسين عفيف (1902 - 1979)، والسعودي محمد حسن عواد (1902 - 1980)، واللبنانيين: إلياس زخريا (1911 - 1986)، وفؤاد سليمان (1911 - 1951) من حيث كونهم تطلعوا إلى إنتاج المزيد من الشعر المنثور من غير تجاهل تجاربهم على تباين نسبها الكمية في الشعر المرسل (التناظري المتعدد القوافي).
إلا أنها تصطف مع تجربة جيل مجهول يشكل على تباعد أماكنهم تياراً مهماً في تاريخ الشعر المنثور (أو قصيدة النثر لاحقاً) يسبق ضجيج شعراء مجلة شعر وخصومها، ولكن تعد ملحس رائدتهم نشراً -وأقصد- حسين مردان (1927 - 1972) في أول دواوينه من الشعر المنثور (صور مرعبة) (1951)، ونقولا قربان (1928 - 2003) في (شلة شعر) (1955)، وتوفيق صايغ (1923 - 1971) في أول ديوان له (30 قصيدة) (1954)، وسليمان عود (1922 - 1984) في أول ديوان له (سمرنار) (1957)، وجبرا إبراهيم جبرا (1920 - 1994) في أول ديوان له (تموز في المدينة) (1959).
إن مطالعة عناوين قصائد ديوانها هذا لتشي بأنها روح القرن العشرين القلقة من مستقبلها، وتطلعات الجيل بالخلاص من الاستعمار والأبوية والاستبداد، ومن قصيدة (ظلم):
(تمنيت الفناء لم لا أضج؟
تمنيت الفناء لم لا أتمرد؟
صراخي عويل نبّاح فارعواء
انزوائي مقتهم رحمة
قهقهاتي توقر
سخريتي تدمي
أأنا منهم جبلت لكنني غريبة؟!)
لم تهتم بكل الصراخ الأيديولوجي عند شعراء كثر واستمرت لخمسة عقود تنتج شعراً وأبحاثاً وسيرة وفكراً ومضت نشيداً تائهاً.
الأعمال الشعرية: النشيد التائه (1949)، قربان (1952)، مساجين الزمن (1956) بالإنجليزية، ملحمة الإنسان (1961)، محاجر في الكهوف (1967)، خبأنا الصواريخ في الهياكل (1968)، قضايا ومجامر (1970)، الثلوج الحمراء متراكمة على الرؤوس (1999)، نوارس تراكمت على الثلوج الحمراء (1999)، رخ هوى في بيروت جثتين (2000)، أشلاء الرخ تراكمت على الأرصفة (2000)، كلمات في حروف مرقالة (2001)، والقلم يظل يفل الحديد (2002)، الشعر صفوة الفكر والوجدان (2006)، النبع الذي لن ينضب (2007)، عبور نحو البرزخ (2008).
الأعمال الشعرية الكاملة المجلد الأول: قضايا ومجامر: أشعار ثريا ملحس 1946 1956 (2010).
أعمال النصوص المفتوحة: العقدة السابعة- حكايا (1962)، عشر نفوس قلقة (1955)، عشر مَلْحنات (1962).
الأعمال السيرية: أراقيم معلقة على مقبرة الكون (1997)، مواجهات مع الصحافة (2006)، كلام مستمر عبر الأيام والسنين (2007).
الأعمال الفكرية: المرأة العربية والروح النضالية (1968)، المرأة العربية إلى أين (1974)، اللغة العربية لغة الحضارات (2007).
الأعمال النقدية: منهج البحوث للطلاب الجامعيين (1960)، أبعاد أبي العلاء المعري (1962)، ميخائيل نعيمة الأديب الصوفي (1964)، القيم الروحية في الشعر العربي قديمه وحديثه (1964)، حول الأدب الفلسطيني في المعركة (1970)، إنسانية الحرب عند العرب (1975)، أبو الفتح كشاجم في آثاره (1981)، دفاع في طريق المعلقة (1988)، المعلم الخليل بن أحمد الفراهيدي (1988)، المرابطون اللمتونيون (1988)، مدخل إلى أدب العصر الأموي (1989)، حزب الخوارج في أدب العصر الأموي (1989)، حزب الشيعة في أدب العصر الأموي (1990)، ماهية الحب الروحي (2001)، حزب الزبيرية في أدب العصر الأموي (2002)، أبعاد أبي العلاء المعري (2004)، حزب الكلامية في أدب العصر الأموي (2010).

ذكر أسماء مكة وصفاتها
ظهر علم الجغرافيا، منذ النصف الثاني من القرن الثالث الهجري الثامن الميلادي، واستكمل عبر باب اصطلح عليه بعلم المسالك، أو علم الخرط، ووصف الممالك، حتى القرن السادس الهجري الثاني عشر الميلادي، واغتنى بعلوم وآداب متعددة، مثل: اللغة والرحلة، وبلغ ذروته في المعاجم والموسوعات، وتركز بما يدعى أطلس العالم العربي- الإسلامي. هنا نقتطف من المتون ما يشهد على ما كان وما زال.
kkk
سماها الله أربعة أسماء: مكة والبلد والقرية وأم القرى. قال الله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ)(الفتح:24). فإذا الكلام على هذا الاسم، قال الزجاج: مكة لا تنصرف لأنها مؤنثة وهي معرفة. ويصلح أن يكون اشتقاقها بكة لأن الميم تبدل من الباء كما يقال ضربة لازب ولازم، ويصلح أن يكون اشتقاقها من قولهم مككت العظم إذا مصصته مصاً شديداً حتى لا يبقى فيه شيء، شبهت بذلك لشدة ازدحام الناس فيها. وقال ابن فارس: مككت العظم إذا أخرجت مخه والمك الاستقصاء. وفي الحديث: لا تمككوا على غرمانكم. وفي تسمية مكة بهذا الاسم أربعة أقوال: أحدها أنها مسافة يأتيها الناس من كل فج عميق، فكأنها هي التي تجذبهم إليها، من قول العرب أمتك الفصيل ما في ضرع أمه، والثاني من قولهم مككت الرجل إذا أردت تخويفه، فكأنها تمكك من ظلم فيها أي تهلكه، كما قال:
يا مكة الفاجر مكي مَكَّا ولا تَمُكِّي مَذْحِجاً وعَكَّا
والثالث أنها سميت بذلك لجهد أهلها، والرابع لقلة الماء بها. وقد اتفق العلماء أن مكة اسم لجميع البلدة، واختلفوا في بكة على أربعة أقوال: أحدها أنه اسم للبقعة التي فيها الكعبة، قاله ابن عباس رضي الله عنهما. والثاني أنها ما حول البيت، ومكة ما وراء ذلك، قاله عكرمة. والثالث أنها اسم للمسجد والبيت، ومكة اسم للحرم، كما قاله الهروي، والرابع أن بكة هي مكة، قاله الضحاك واحتج لتصحيحه ابن قتيبة، وقال بأن الباء تبدل من الميم، فيقال ضربة لازم ولازب. وأما اشتقاق بكة فمن البك: يقال بك الناس بعضهم بعضاً أي دفع. وفي تسميتها بكة ثلاثة أقوال: أحدها لازدحام الناس بها، قاله ابن عباس. والثاني تبك أعناق الجبابرة، أي تدفها، فما قصدها جبار إلا أهلكه الله، قاله ابن الزبير. وأما تسميتها بالبلد فقد قال عز وجل: (لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ) (البلد:1)، يعني مكة، والبلد في اللغة صدر القرى. وأما تسميتها بالقرية فقال الله عز وجل: (وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ) (النحل: 112)، أي ساكنة بأهلها لا يحتاجون إلى انتقال عنها لخوف أو ضيق، يأتيها رزقها من كل مكان، الرزق الواسع الكثير، يقال أرغد فلان إذا أصاب خصباً وسعة. فكفرت بأنعم الله، أي كذبت محمداً (فأذاقها الله لباس الجوع والخوف)، وأصل الرزق بالنعم، وأكثر اشتقاقه منه، وذلك أن الله تعالى عذب كفار مكة بالجوع سبع سنين حتى أكلوا الجيف والعظام المحرقة، وكانوا يخافون من رسول الله ومن سراياه. والقرية اسم لما يجتمع فيه جماعة كثيرة من الناس، وهذا اسم مأخوذ من الجمع يقال: قريت الماء في الحوض، إذا جمعته فيه، ويسمى ذلك الحوض مقراة.
-------------------------
• تأريخ المستبصر: قسمان في مجلد، في الكلام عن بلاد الحجاز واليمن وحضرموت وبعض أخبارها وعادات أهلها، مبتدئاً بمكة ومنتهياً بالبحرين. ابن المجاور، يوسف بن يعقوب (601 - 690هـ = 1205 - 1291م).

النقد على التخوم
سعد البازعي
تحتكم التجربة النقدية عند سعد البازعي إلى مسألة أساسية: القراءة.
تمثلت في خاصية الإمعان في تأمل النص والمصطلح معاً.
ما يقارب ثلاثة عقود انقسمت تجربته النقدية بين قراءة الشعر، والعناية بالمصطلح.
لم يتورط البازعي في النظريات والمناهج الجاهزة، أي ما يكشف أنه ضمن التيار النقدي العربي الجمالي لا البلاغي، وهو ما تورط أو يعد صلب الأعمال النقدية عند التيار الآخر الذي انتهى إلى صورة شعبوية على العكس مما انتمى إليه البازعي الذي وازن بين الرصانة والبساطة.
انطلق، مع جيل اختلف تخصصه الأكاديمي وهمه النقدي، مثل عبدالله الغذامي وسعيد السريحي وعالي القرشي، بوصفهم الجيل اللاحق للسابقين، مثل: منصور الحازمي ومحمد الشامخ.. وسواهما، وينأى عن الاتجاه النقدي المتحقق من محمد حسن عواد وإبراهيم فيلالي وعبدالله عبدالجبار.
توجه مباشرة إلى النص الأدبي في أبحاثه ومقالاته، ثم كتبه لاحقاً مذ أطلقها بـ(ثقافة الصحراء) (1991)، وإحالات القصيدة (1999)، فتنبه إلى الشعر السعودي الذي بدأ في التحول منذ خمسينات القرن العشرين في أسماء بعضها لم يكرس لكن اهتم بها. وهذا ما مكنه من إنجاز كتاب جامع لها (جدل التجديد) (2009).
بينما توازى مع هذا عنايته بالأدب المقارن والنظرية الأدبية، في أبحاث أكاديمية لقيت فرصتها إلى النشر في كتب مثل (مقاربة الآخر) (1999)، غير أن مسألة التعامل مع النظرية الأدبية تبدّت في تجارب نقدية عربية عبر كتاب أساسي (استقبال الآخر) (2004).
ومما يستغرب أثر المنجز الرهابي عند عبدالوهاب المسيري إزاء العلماء والنقاد والشعراء والروائيين من اليهود الأشكنازيم في كتابه (المكون اليهودي في الحضارة الغربية) (2008) مما أزاح الدور الثري لليهود المزراحيم حتى في ظل الحضارة نفسها.
وما بعد الألفية الثالثة، لم يكن العمل السابق منجزه الوحيد، فقد توسعت مسألة التعامل مع الأجناس الأدبية والفنون المرئية، في أعمال لاحقة، ما جعله يتجاوز النص الشعري إلى الرسم والسينما، بينما قاده تأمل النظريات الأدبية بالتوجه إلى قراءة الأفكار، وهذا متبدٍ في كتبه اللاحقة، مثل: الاختلاف الثقافي وثقافة الاختلاف (2008)، قلق المعرفة (2010)، هموم العقل (2016).
سعد البازعي مواليد 1953 درس في القريات والرياض وبوردو في ولاية إنديانا بالولايات المتحدة الأمريكية. أنجز دراساته العليا بين جامعة الملك سعود 1974 وجامعة بوردو 1978 - 1983، وتخصص في موضوع الاستشراق الأدبي في الأدب الأنجلو-أمريكي في القرن 19، عمل في الحقل الأكاديمي والصحافي معاً، ونشط في الحقل الثقافي ناقداً ومحاضراً: المشرف العام على صحيفة رياض ديلي (1986 - 1988)، ومدير تحرير مجلة التوباد (1997 - 1998)، ورئيس تحرير الطبعة الثانية من الموسوعة العربية العالمية (1997 - 1998)، وترأس مجلة حقول (2005 - 2009)، وأدار الملتقى الثقافي منذ (2014).
الأعمال النقدية: ثقافة الصحراء 1991، إحالات القصيدة 1999، مقاربة الآخر.. مقارنات أدبية 1999، أبواب القصيدة 2004، استقبال الآخر 2004، شرفات للرؤية 2005، المكوّن اليهودي في الحضارة الغربية 2007، الاختلاف الثقافي وثقافة الاختلاف 2008، جدل التجديد.. الشعر السعودي في نصف قرن 2009، سرد المدن الرواية والسينما 2009، قلق المعرفة 2010، لغات الشعر 2011، مواجهات ثقافية (باللغتين العربية والإنجليزية) 2014، مشاغل النص واشتغال القراءة 2014، جدل الألفة والغرابة 2016، هموم العقل 2016.
الأعمال المشتركة: دليل الناقد الأدبي.. إضاءة لأكثر من سبعين تياراً ومصطلحاً نقدياً (مع ميجان الرويلي) 2002، الأخلاق في عصر الحداثة السائلة (مع عبير الإبراهيم) 2016.
الأعمال المترجمة: المسلمون في التاريخ الأمريكي لجيرالد ديريكس 2011، جدل العولمة.. نظرية المعرفة وسياساتها لنغويي وا ثيونغو 2014،
نال مؤخراً جائزة السلطان قابوس للثقافة والفنون والآداب، فرع الآداب، مجال: النقد الأدبي نوفمبر 2017.
مياسة النخلاني: اليمن
أخرجها من شرودها صوت انهمار المطر المختلط مع تلك المتزحلقة عبر الميزاب، وهي تتصايح وتتعارك أيها يخرج أولاً ليصافح عشب البستان بعد طول غياب، يتداخل ضجيجها مع زقزقة العصافير المتململة في أعشاشها تنتظر بفارغ الصبر انتهاء المطر لتكمل رحلة البحث عن القوت، وصرير ضرب مطرقة بسطح صلب، يأتي رتيباً متكرراً وشاذاً يفسد تناغم سيمفونية المطر الجميلة..
(هل هذا وقته؟!) فكرت بضجر لتُكمل مندهشة: (ترى منذ متى وهي تمطر!!)
وقبل أن تسرقها لوحة المطر البديعة مجدداً والتي فوتت بدايتها، تبعثرت من بين شفتيها (آه) متحسرة، فتواً تذكرت أنها خرجت من شرود جميل، كان حلماً عابراً، لا تزال حلاوة طعمه عالقة في تفاصيل روحها، أغمضت عينيها لتعيد فصل روحها عن العالم الخارجي وتعود لتكمل شرودها لكنها لا تدري من أين تبدأ فقد نسيت أين توقفت بل بماذا كانت تحلم!!
فتحت عينيها متحسرة لتنعكس على مقلتيها حبات المطر المنهمرة بجنون وابتسامة خيبة تترنح على شفتيها: (نسيتُ تماماً) تمتمت متحسرة.
كان طيفاً عابراً مر بانسيابية خلال خلايا جسدها، كان مروراً سريعاً لكنه كفيل بقلب تفاصيل كياناتها المستترة. فقط لو أنها تستطيع تذكر تلك الإغفاءة التي غيبت روحها لعالم اللاوعي والإدراك، ارتشفت خلالها شراباً أسكرها حد الثمالة، لدرجة أنها حين عادت لوعيها نسيت التفاصيل كاملة وبقي فقط أثر جميل يداعب روحها العالقة في سماء الحلم كحبة مطر تأبى أن تنزل إلى الأرض أو تبقى في رحم السحب.
حكَّت أرنبة أنفها بقلمها المخنوق بين أناملها، وبعناد أغمضت عينيها مجدداً محاولة العودة إلى الغرفة الزاهية جدرانها، المخفية بإتقان في دهاليز عقلها الباطن، آه لو يفتح هذا العقل العنيد أبوابه مجدداً أمام سرحانها في أي شيء، ليأخذها لما كان كل شيء قبل لحظات قليلة، ليصهر روحها في تفاصيل حلمها الجميل المنسي، فلعلها تختزل هذه المرة التفاصيل فلا تتوه عنه بمجرد خروجها لجسدها الجالس منذ ساعات في شرفة منزلها في انتظار ما يجود به الإلهام لسطره على الورق الذي تجمد من البرد، وما أن جاء أخيراً حتى تبخر كسراب.
(الطَرق المستفز لا يتوقف!!) تنهدت وهي ترنو إلى السماء التي أوشكت أن تعصر آخر القطرات في معطفها الموشى بخرز تماهى مع لونه الرمادي الذي أخذ يبهت بين الفينة والأخرى، معلناً قُرب انتهاء مهرجان المطر، غافلت عقلها في لحظة تأمله وتسللت خفيه لدهاليزه الخفية، طرقت أبوابه باباً باباً وتسكعت بين تلافيفه الملتوية وأزقته الجانبية لعله يفصح عن تفاصيل الشرود الذي ترك شفتيها منفرجة عن ابتسامة رضا عذبة، تتوق لعيش تلك اللحظات الجميلة المنسية مجدداً، لتسطرها عطراً ندياً على الورق، لكن من يعاند عقله!! وكيف لها أن تغافله ومطرقة الجيران تدق وتدق دون توقف.
لعنت في سرها الطارق والمطروق، وعقلها العنيد، والحلم الجميل الذي لم يكتمل ولم يمتثل أمام ذاكرتها الهزيلة، وعندما تعبت من البحث دون جدوى، خرجت متلكئة من دهاليز عقلها، ولم تنس أن توصد الأبواب جيداً حتى لا يتسرب شيء في غفلة منها.
زفرت الضيق المتجمّع في رئتيها، وبعد استنفاذ كل أسلحتها، لملمت أوراقها، حدجت جهة الإزعاج بغضب، وغادرت الشرفة مستسلمة.
لم تنس أن تترك فتات الخبز للعصافير التي بدأت تطير هنا وهناك يحركها الجوع والضجر، ولسوء حظها نسيت ورقة كانت قد دونت فيها بعض العبارات أثناء شرودها، وقبل أن تنتبه لها حملها النسيم بعيداً، حلقت بعيداً لتكمل الحلم بعيداً حيث لا مطرقة ولا جيران مزعجين.

ذو صلة
التعليقات