مجلة شهرية - العدد (503)  | ذو القعدة 1439 هـ- سبتمبر 2018 م

حياة في آلة البيانو

من عمق هذا الليل البارد، يولد شيء من السكينة، يعم الكثير من الهدوء أرجاء المكان، حتى الوقت يصبح أطول بكثير مما هو عليه، كانت تجلس في غرفتها الصغيرة، تنظر إلى نافذتها الممتلئة بالبخار، صورة القمر كانت واضحة أمام عينيها، تتخيل أنه ينظر إليها، يداعبها ويجذبها نحوه، تود في هذه اللحظة أن تتخلص من أفكارها المتشعبة التي تقطن فوق رأسها، تشتاق لأن تصبح فارغة من كل شيء، وبلا أي سبب تتوق للحظة التي تنسجم فيها روحياً مع ذاتها، تتأمل أرضية الغرفة بدقة، ثم تحول النظر إلى دولاب الملابس خاصتها، وبعد ذلك تفكر بأن تأخذ كتاباً من صندوقها الموضوع في إحدى زوايا غرفتها، وعندما أخرجت كتاباً لتقرأه شعرت سريعاً بأنها لم ترغب في القراءة، وفي هذا الوقت تحديداً، راحت تمعن النظر إلى الآلة الخشبية، آلة البيانو تلك، لم تقترب منها منذ وقت طويل، لقد هجرتها، وبخطوات متباعدة اقتربت منها، ثم اقتربت أكثر، أرادت أن تعزف ولو لدقائق، رغبت بأن تقوم بهذا الفعل على الأقل، رفّ الآلة كان مكوناً من لونين الأبيض والأسود فقط، لم يكن هناك لون آخر، فكرت بأن الأمور في الحياة ينبغي أن تصبح بين منعطفين إما بياضاً يضيئها أو سواداً يبقيها مظلمة، وأنه لا مجال للون الرمادي، وضعت أصابعها على الرفّ وبدت تعزف، كانت كلما استمعت لصوت ألحانها تخيلت بأنها تحاورها وتعريها من كل سوء يخيم على قلبها، عالم حميم هنا، صمت آسر، وعزلة تحمل كل معاني الحب، جلسة واحدة كانت كفيلة بأن تجمعها، وتعيد ثباتها من جديد، يراود ذهنها أشهر من عزفوا على هذه الآلة الساحرة كروبرت شوفان، لودفيج فان بيتهوفن، فرانز شوبرت، فولفغانغ أماديوس موتسارت وغيرهم الكثير، ثم تساءلت في نفسها كيف أمكن لهؤلاء النجاة في حياتهم من خلال محاورة الروح التي تسكن آلة الخشب تلك؟

ذو صلة
التعليقات