مجلة شهرية - العدد (505)  | صفر 1440 هـ- نوفمبر 2018 م

قلب السمكة

ترتجفُ مضطربة وقلبها ينبض بعنف، فاغرة فاها، وعيناها مفتوحتان عن آخرهما، تشق البَحْر ورائي بعنف، فاردة زعانفها كسيوف حادة وأنا أعوم، أعوم، أحاول الهرب فتفتح فمها أكثر، تريد أن تلتهمني وتقضم لحمي، فأقوم مفزوعاً وبريق عينيها ما يزال يحدق بي.
قبَّلتُ يده وقلت خذني معك، فأعطاني والدي صنَّارته فحملتها وذهبنا للشاطئ، نظر للموج كأنَّه ينتقي بقعة من البَحْر تناسبه وفرد الكرسي واستراح عليه، رأيت قطعة من البوص فأخذتها ووضعتها جانب صنَّارته، أخرج تُرمس الشَّاي وصَبَّ له كوباً وراح يمتص رحيق الشَّاي وأعطاني فطيرة وترك التُرمس والكوب على الأرض، وقال اجلس جانبي ولا تتحرك. حين رأيت طيارة ورق تطير بين النوارس أردت أن ألقي الفطيرة في البَحْر وأطير، لكنَّه شدَّ انتباهي حين أخرج علبة بها قليل من الدُّود وقِطَع السَّمك الصَّغير وعجينة وشيئاً من الجمبري الصَّغير وبمهارة ألقم الدُّودة في الخُطَّاف وطوَّحها في البَحْر بعيداً، بعيداً، وراح ينظر بكل أعصابه لنقطة ما في البَحْر، كأن كل كيانه مشدود بإصبعه إذ إني رأيت اهتزازاً بسيطاً ورعشة في إصبعه الذي يسند به خيط الصِّنَّارة كأنه سيطلق رصاصة، أخذت حجارة وألقيتها في البَحْر فنهرني بشدَّة، أمسكتُ بعض الأصداف ورحت ألعب، حين غمزت صنَّارته رأيته يقف ويسحبها بشهوة غريبة وتصميم لم أره على وجهه من قبل فخرجتْ سمكة كقطعة فضة تتخبط في الماء، أخذ الصنارة بعيداً وظلتْ السَّمَكة تَرْتَعِد في الهواء حتى أمسك رأسها وخَلَّصها من الصِّنَّارة ووضعها في الصُّندوق.
حين ألقى الصِّنَّارة مَرَّة أخرى، ذهبتُ للصندوق وفتحته، كانت السَّمَكة ترتجف وقلبها ينبض بعنف فاغرة فاها وعيناها مفتوحتان عن آخرهما تنبض وتنبض وتنبض وكادت تقفز وتنهشني فنهرني وأغلق الصُّندوق.
كم عدد الموج؟ أين يذهب هذا الكم الهائل من الموج القادم من قلب البَحْر البعيد؟ هل استطاع الرَّجل العجوز الذي يجلس بصنَّارته على صخرة تملؤها الطَّحالب وبجانبه زجاجة ماء مثلجة أن يعد الموج وهو يدقق في البَحْر هكذا؟ غمزتْ صنَّارته فلم يتحرك من فوق الصَّخرة، وأمسك الخيط بحنان، وفك السَّمكة التي اصطادها، وهَمَسَ لها بشيء يخصه وظلَّ يُتَمْتِمْ وينظر في عينيها ويبتسم ثُمَّ ألقاها في البَحْر، لقد فعل العجوز ذلك مَرَّات حتى رأيت السَّمَكة التي كان يهمس لها تضطرب في صنَّارة والدي.
في الليل جاءتني نفس السمكة فاغرة فاها وعيناها مفتوحتان عن آخرهما تشق البَحْر ورائي بعنف، فاردة زعانفها كسيوف حادة وأنا أعوم، أعوم، أحاول الهرب فتفتح فمها أكثر تريد أن تلتهمني وتقضم لحمي فأقوم مفزوعاً وبريق عينيها ما يزال يحدق بي.
أخذتُ البوصة التي وجدتها ملقاة ورَبَطّت بها خيطاً، وجلستُ بجانب والدي فضحك حين رآني أُلقي الخيط في البَحْر بدون خُطاف، قال: الصَّيد لا يكون إلا بخُطاف وطعام للسمك. تَذَكَّرت السَّمكة وهي تنتفض والخطاف معلق بفمها الذي يقطر دماً وراودتني وهى تجري ورائي في الحُلم فقلت له سأصطاد بعيداً.
ابتعدتُ عنه وجلست على طوبة ونظرتُ إليه فكان منهمكاً في صيده فأخرجت من جيبي السَّمكة البلاستيك التي خبأتها والتي تشبه السَّمكة التي تطاردني في أحلامي وربطتها في الخيط وألقيتها في الماء بعد أن همستُ لها كما يفعل الرَّجل العجوز.
عامت على جلد البَحْر قليلاً قليلاً ثُمَّ رأيتها تهتز ورأيت كماً هائلاً من الأسماك تتجمع حول سمكتي، فانحرفتُ ببوصتي قليلاً، فسارت الأسماك وراء سمكتي، نظر لي العجوز وغمز لي بعينيه، فابتسمت له وأخذت أبتعد ببوصتي والأسماك تتبعني بعيداً، بعيداً، عن والدي الذي ظل يترقب في حسرة أن تغمز صنارته.

ذو صلة
التعليقات