مجلة شهرية - العدد (500)  | رمضان 1439 هـ- يونيو 2018 م

بوصلة العلم في القرن الحالي تفاؤل أم تشاؤم؟

مر التاريخ البشري بمراحل ثلاث: المرحلة التي تبنت الفكر الأسطوري، والمرحلة التي اعتمدت على الفكر الديني، وأخيراً المرحلة التي اعتمدت على التفكير العلمي، وقد أسهمت مرحلة العلم الأخيرة في الدفع بحياة الناس إلى الخير والازدهار، لكن ذلك لم يمنع من أن يدفع الناس ضريبة التطور العلمي في تلقي كثير من الدمار والخراب الذي ظهر في ويلات الحروب وسطوتها، وكأن ما ينتجه العلم من رفاه ورخاء للإنسانية كان يقابله دائماً ثمن باهظ تمثله أرقام كبيرة من أرواح الأبرياء وما يضاعفها من جرحى وتدمير للبنى التحتية. ونتيجة لهذه الخسائر الفادحة الناتجة عن إساءة سلاح العلم عرف العالم خطر الحروب وشراستها، وبدأ الإعداد لاستقبال مرحلة جديدة من التطور العلمي الذي لا يتوقف.
لا يزال العالم قادراً على تقديم مزيد من الابتكار والتطوير، فمع وجود البعد العلمي التراكمي الذي يؤمن بأهمية البحوث السابقة ودورها، والعمل على تطويرها وضرورته، تنشط في مقابل ذلك الدراسات المعتمدة على القطيعة المعرفية التي تؤمن بالتغيير وتدعو إليه، ولاتزال البيئة العلمية التي أوجدت ثورة غاليليو وإسحاق نيوتن وستيف جوبز وبيل غيتس وغيرهم قادرة على إخراج أضعاف هذا العدد من العلماء المستقبليين، الذين توفرت لهم الظروف المناسبة التي ستهيئ لهم الوصول إلى منجزات خلاقة، وذلك بتوفر البيئة العلمية التي لا يسهم فيها الغربي فقط، بل يشاركه الآخرون من العالم كله الذين أضحت هويتهم العلمية أقوى من أي هوية، وكان توفر المعلومة وسهولة الحصول عليها عاملاً مهماً في صنع الفارق.
 أقول هذا على الرغم من المشكلات الكبيرة التي تقف في طريقه، وتمنعه من الوصول إلى أهدافه، ومن ذلك، كما تشير استبانة علمية أجريت على 270 عالماً، وحددت أبرز المشكلات التي تقف في طريق الازدهار العلمي ومنها: الحاجة إلى التمويل البحثي والدعم المعنوي الذي لا يتوقف، وضعف بعض المخرجات في البحث العلمي وعدم أهميتها، وتتعلق هذه المشكلة بسابقتها، فالعلماء يصممون منتجاتهم العلمية وفقاً لحجم التمويل الذي يتلقونه ما يقلل من ظهور الثورات العلمية التي تغير ما هو سائد، وتكشف آفاقاً جديدة، وهناك من المشكلات التي تعترض العلم مشكلة ندرة النتائج الطموحة الفاعلة التي يتبناها بعض الباحثين، ومن ثم تصبح تلك البحوث بلا جدوى، ومن المشكلات التي عرضت لها الاستبانة ندرة المراجعات العلمية المنشورة في الدوريات العلمية، وأخيراً هناك مشكلة الأبحاث العلمية التي تتوقف لأسباب منها توقف التمويل لها، إضافة إلى ضعف تواصل البيئات العلمية مع الجمهور. ومن الملاحظ أن المعوقات السابقة تكشف عن دور التمويل في ازدهار العلم وتنميته، وتدعو إلى التفاؤل لاسيما أن لكل مشكلة منها حلاً يؤدي مع غيره من الحلول إلى تيسير نهضة علمية جديدة تليق بالقرن الحادي والعشرين. ليس أمامنا في لحظة التنبؤ عن اتجاه بوصلة العلم، والتساؤل إلى أين؟ سوى الاعتماد على منطق القول بما هو إيجابي أو ما هو سلبي، فإن توقعنا الأخيرة فذاك يعني تغليبنا الجانب التشاؤمي وربط اتجاه العلم إلى تطوير غير محدود في التصنيع العسكري وخضوعه إلى أفضلية في التناول، وأسبقية في التعامل. ويبدو هذا الاتجاه التشاؤمي بعيداً عن التوقعات المدروسة التي تتبنى العمل على تنمية الإنسان والنهوض براحته. أما الميل إلى الاتجاه الإيجابي وتبني التفاؤل فسينحو بنا إلى الإيمان بأن قوى الخير المحبة للسلام في هذا الكوكب ستتغلب، لا محالة، على قوى الشر، وستزداد الإنسانية رخاء وازدهاراً، سيتوجب على أي متفائل أن يثق في أن العلم سيجلب مزيداً من الاكتشاف لهذا الكون بما فيه ذواتنا، وسيطوق المشكلات التي تعاني منها الإنسانية ويحاصرها، وسيعمل على خلق الأجواء المناسبة لنا وللأجيال القادمة وتهيئتها، فلنراهن على العلم ومخرجاته، فهو الطريق الأكثر ضماناً وإسعاداً للبشر.

ذو صلة
التعليقات