مجلة شهرية - العدد (505)  | صفر 1440 هـ- نوفمبر 2018 م

السينما وحدود التواصل

عندما نتحدث عن السينما، فنحن نتحدث عن خطاب فني يشترك مع غيره من الخطابات الأدبية والفنية في مجموعة من الخصائص والسمات، لكنه وإن كان يتضمنها ويطوعها جميعاً، فهو ينجح في التعبير والتواصل بدون حدود. فالسينما منذ نشأتها كانت تخلق لنفسها خطاباً حكائياً لا يقف عند حدود اللغة أو التأويل أو الفهم بنفس الحدود التي تقف عندها فنون مجاورة للسينما أو بعيدة عنها، وهو أمر يجعلنا ننطلق من السؤال التالي: ما الذي يجعل السينما تتفوق على هذه الخطابات جميعاً في سرد الحكايات والقصص. وللإجابة عن هذا التساؤل علينا أولاً أن نعود إلى عناصر اللغة السينمائية وعناصر اللغة الأدبية:

اللغة الطبيعية والتعبير
إن الكلام عن اللغة وتطور النظريات المرتبطة بها، يعود بنا إلى أهم فترات تاريخها، عندما جمع طلبة العالم اللغوي فيرديناند دي سوسير محاضراته في كتاب دروس في اللسانيات العامة، وصار هذا الكتاب فيما بعد أهم كتاب في علم اللغة، حيث قعد للدراسة العلمية للغة، وانتقلت البنيوية بعد ذلك إلى جميع الحقول المعرفية، واستمرت النظريات بعد ذلك مستفيدة من التطور العلمي. هذا المسار أنتج تعريفات عديدة للغة أهمها ما قاله دي سوسير عن اللغة بأنها (نظام من العلامات)، وتمييزه بين الدال والمدلول. ثم تطور مسار اللسانيات ونظرتها إلى اللغة بحسب النظريات التي ظهرت بعد البنيوية.
وسرعان ما انتقل حماس تقعيد اللغة علمياً إلى حقل السينما، فلم يختلف الأمر كثيراً عند منظري السينما الأوائل مثل (كانودو) و(لويس دي لوك)، اللذين سارعا لتأكيد التشابه بين لغة السينما واللغة، فاللقطة هي الكلمة، والمشهد هو الجملة، ودافع (بيلا بالاش) باستماتة عن هذا التشبيه. هذا اليقين ستتم مراجعته بعد أقل من عقدين تطورت فيهما السينما سريعاً، ومع سنوات الستينات سيحاول منظرون آخرون النظر بعمق أكبر في اللغة السينمائية، مثل: (كريستيان ميتز) و(أومبيرتو أيكو) و(باولو بازوليني). فحسب (جون ميتري) يكمن خطأ المنظرين السابقين في التأكيد على أسبقية لغة الفعل كشكل مقتصر على اللغة. إن اللغة الفيلمية حسب ميتز لا بد أن تكون مختلفة عن اللغة المحكية، ما يجعل من السهل الخروج بخلاصة أن السينمائي مختلف عن اللغوي. وسيجيب ميتز على من كانوا يحاولون التوفيق بين هوية اللقطة بالكلمة والمشهد بالجملة، معلقاً ضد هذه النظرية بالنقاط التالية:
- إن اللقطات لا منتهية بعكس الكلمات التي هي محدودة.
- إن اللقطات هي من إبداع من ينتجها وليس كالكلمات الموجودة معجمياً.
- تنتج اللقطة عدداً غير محدود من المعلومات غير المرتبة، بينما الكلمة في أغلب الحالات لها معنى واحد أو متعددة المعاني، لكن المعلومات هي وحيدة ومنظمة.
- اللقطة هي وحدة حقيقية، خلافاً للكلمات التي هي وحدات معجمية صرفية افتراضية تتشكل حسب ما يستخدمها المحاور.

لغة السينما والتواصل
 الاختلاف بين لغة السينما ولغة التواصل كان في واقع الأمر اختلافاً في درجات الإبداع والأداء والفعالية أثناء التواصل بهما. سنجد الكلمة تولد صورة في ذهنية (مستدعى ذهني) في عقل القارئ، إلا أن هذا المستدعى الذهني، المرتبط بالكلمة المكتوبة -أو بالكلمة المسموعة- قد يختلف اختلافاً كبيراً من شخص لآخر، فكلمة (شجرة) تولد في ذهن القارئ مُستدعى ذهنياً لكافة أنواع الأشجار، هذا على مستوى الاستدعاء للصورة فقط، إلا أنه مشروط أيضاً بخبرة القارئ الحياتية -إذا كان من أهل المدن أو من أهل الريف- وهو ما يؤثر على ذاكرته فيما يخص أنواع الأشجار المستدعاة ذهنياً، إذ إنه في بعض حالات التجهيل اللفظي- المتعمد أو غير المتعمد- يكون المستدعى الذهني ذا أفق مفتوح -غير محدود- فإذا ذكرنا كلمة (شجرة) عجوز، كبيرة، جدباء، بغصونها الخاوية من الأوراق، فإننا بهذا المقطع السابق، نترك للقارئ مساحة ذهنية كبيرة في استدعاء أي نوع من أنواع الأشجار، والتي يرغب هو في وضعها في هذا المكان الموجود أمام باب المنزل، أما إذا قررنا أن نحدد نوع الشجرة مثل: (على باب المنزل تقابلنا شجرة توت عجوز، كبيرة، جدباء، بغصونها الخاوية من الأوراق)؛ فإننا في هذه الحالة الأخيرة نكون قد حددنا نوع الشجرة، إلا أن القارئ -كل قارئ- سيستدعي شجرة التوت التي يعرفها من خلال خبراته، وفي الوقت ذاته وبالرغم من أننا قد حددنا -في المقطعين- حجم الشجرة بأنها كبيرة، فإن ذهن كل قارئ سيختلف فيما يتخيله من مقياس/حجم كبر الشجرة، حيث إن مقياس (الكبر) كحجم هو مقياس نسبي وغير محدد هو الآخر، ونتيجة لهذا سيبدأ كل قارئ في إيجاد صورة ذهنية تختلف عن قارئ آخر، فالأمر في هذه الحالة قد أصبح متروكاً لتقدير كل قارئ وخبراته الحياتية السابقة التي تؤثر على عملية تخيله.
لكن الأمر يختلف عندما نتعامل مع الصورة بشكل عام -المرسومة أو الفوتوغرافية- والصورة السينمائية على الأخص، وقد ظهرت في بداية الأمر بصفتها أداة التأثير على العالم، وعلى الموجودات والأشياء المكونة لها.
ويعتبر يوري لوتمان أن الرسالة المكتوبة كنص تتميز بقابليتها للتقطيع بدقة تامة إلى وحدات أي إلى علامات. ووفقاً لآليات لغوية تتآلف العلامات لتنتظم في سلاسل أي في مركبات ذات مستويات مختلفة، يبني النص هنا كبنية لازمانية على صعيد اللسان كما يبنى زمانياً على صعيد الخطاب في حين أن الصورة (الرسوم الإعلانية) لا تقبل التقسيم مثلاً إلى وحدات منفصلة. وتأتيها الخاصية السيميائية من بعض قواعد الإسقاط المستعملة لإسقاط موضوع ما على المستوى. وإذا ما أردنا زيادة حجم معلومات الرسالة فسنعمد في الحالة الأولى (أي مع الرسالة المكتوبة) إلى إضافة علامات جديدة أو مجموعات من العلامات، وبهذا نزيد من حجم النص، بينما يمكننا في الحالة الثانية (أي مع الرسم) رسم أشياء أخرى على نفس المساحة، أي أنه بوسعنا تعقيد النص أو تحويله لكننا نعجز عن تكبيره كمياً.
الشعور بتفوق الصورة وقدرتها التعبيرية هو شعور قديم، عرفته الحضارات القديمة، فوضع العلامات فوق رايات الحرب كانت تحمل إشارات بسيطة لكن دلالاتها كانت تحقق النصر في معارك مصيرية، وتحسم في مصائر بلدان بأكملها وتختزل الكثير من الكلام والوقت والسرعة في التنفيذ. انظر مثلاً إلى كلام كونفيشيوس عندما قال: (الصورة خير من ألف كلمة). إن تفوق لغة السينما وخطاب الصورة بمقارنته باللغة العادية قد يبدو غير منصف؛ لذلك سنعمد هنا للحديث عن الصورة في الشعر والرواية اللذين يتقاسمان مع السينما التعبير بالصورة كل ضمن حدود اشتغاله.
الشعر لا يتحرك داخل المنظومة التي أقرتها الجماعة اللغوية فقط، بل هو يعمد إلى كسر تلك المنظومة -المدونة- ويخرج الكلمات من معناها الوحيد الذي ينطق بها إلى معان جديدة، حتى أن جاكبسون يعتبر أن الشعر هو: عنف منظم مقترف بحق الكلام العادي، أي أنه اجتراء على اللغة العادية، وإخراج للألفاظ عن مسارها المعتاد في التعامل اليومي إلى مسار جديد خاص بالشعر وحده دون سواه، وتعتمد بعض نماذج الشعر قصوراً إلى استخدام المفارقات واللبس وتغير المعنى في السياق وحتى إلى الترابط غير العقلاني للمقولات النحوية كالتذكير والتأنيث وأزمنة الفعل. إن اللغة الشعرية تنظم وتشد مصادر اللغة اليومية، وأحياناً تنتهكها في سعيها إلى وضعنا قسراً في حالة من الوعي والانتباه. الصورة الشعرية بمرجعيتها البلاغية كانت مبحثاً قديماً وحديثاً من حيث قدرتها على خلق عالم لغوي يخرق العالم المعتاد. ويقدم كلام رولان بارث عن مفهومي التعيين والدلالة، شرحاً للكلام السابق من حيث أن التعيين هو المعنى الحرفي للكلمة، والتضمين هو استعمال اللغة بطريقة تدل بها على غير ما تقوله.
 أما مفهوم الصورة الروائية الذي يعرفه محمد أنقار بأنه: (نقل لغوي لمعطيات الواقع، وهي تقليد وتشكيل وتركيب وتنظيم في وحدة، وهي هيئة وشكل ونوع وصفة. وهي ذات مظهر عقلي ووظيفة تمثيلية، ثرية في قوالبها ثراء فنون الرسم والحفر والتصوير الشمسي، موغلة في امتداداتها إيغال الرموز والصور النفيسة والاجتماعية والأنثروبولوجية والإثنية، جمالية في وظائفها مثلما هي سائر صور البلاغة ومحسناتها، ثم هي حسية، وقبل كل ذلك، هي إفراز خيالي).
 وقد اهتمت نظرية التلقي كثيراً بالعلاقة بين القارئ وتشكيل المعنى أثناء تلقيه للصورة الرواية وبالنسبة لأيزر فيعتبر (أن الإدراك يفترض بشكل قبلي وجود الشيء، في حين يرتبط التمثل دائماً، استناداً إلى نمط تكوينه، إلى عنصر غير معطى، أو هو غائب ولا يمكن أن يظهر إلا بفضل وجود النشاط التمثيلي). ويحلل جوف العلاقة بين الصورتين الروائية والسينمائية فيعتبر: (أن الطبيعة اللسانية للشخصيات تجعلها لا تمنح نفسها لرؤية مباشرة فهي تتطلب من القارئ (إعادة خلق) تخييلية حقيقية). فالشخصية الروائية هي نتاج عملية تمثلية وليس إدراكية. إن كلام جوف يتأسس على تصور للآيزر يميز فيه بين الإدراك والتمثل، حيث ينطلق هذا الأخير من أن المخيلة البصرية تستند على عملية التمثل وليس فقط على انطباع الموضوعات داخل أحاسيسنا. من هنا تمييزه بين الإدراك والتمثل على أنهما (نمطان مختلفان لولوج العالم) يرى إيزر أننا حينما نقارن بين صورة ذهنية كوناها عن شخصية روائية ما وصورة بصرية لنفس الشخصية الروائية في فيلم ما، فإن الصورة البصرية لهذه الشخصية تكون فقيرة بالمقارنة مع الصورة الذهنية. وهذا التصور جعل جوف يعتبر الصورة الذهنية أقل تحديداً من الصورة المرئية أو البصرية، فلا يمكن تصور الشخصية في كل جوانبها بالمقارنة مع الصورة البصرية التي تقدم لنا كل المعلومات. إن عدم التحديد هذا يخلق نوعاً من الحميمية بين القارئ والشخصية، فذاتية القارئ تلعب دوراً كبيراً في عملية التمثل. كلام جوف عن الشخصية الروائية بين السينما والرواية يقابله كلام مشابه عن باقي عناصر السرد الأخرى، كالزمان والمكان والأحداث.
الصورة في الرواية تتشكل انطلاقاً من مرجعها النصي أولاً وتعالق مكوناتها السردية ثانياً من شخصيات وزمان ومكان وأحداث، وهي مستحيلة التشكل خارج هذا الحيز السردي المتراكب الذي يتمثله القارئ. لا يمكن للصورة الرواية أن تقدم تمثلاً عن شخصية ما في مكان ما وزمان محدد، بالإضافة إلى وجود هذه الشخصية بالقرب من شجرة أو أي شيء آخر، الوصف رغم ما يضطلع به من وظائف قد تصير مبهرة إلا أنه لا يصل لنفس ما يقدمه مشهد سينمائي بسيط لكل هذه المكونات السابقة في لقطة ثابتة أو متحركة واحدة. كما أن الوصف يحد من فعالية السرد إن لم نقل أنه يوقفه لكن الأمر يختلف في نفس المشهد السابق الذي رغم حضور كل مكوناته المذكورة، فذلك لا يمنع شخصية ما من خوض حوار سردي مع شخصية أخرى. اللقطة في الفيلم تعمل على مستويين من التفاعل، حيث إنها تحمل داخلها المكان والزمان، فهي تحمل (الممثل، الديكور، الإضاءة، الموضوعات، الحوار) وكلها في آنية واحدة، وبشكل متزامن من أجل إنتاج الدلالة والمعنى، ثم تتأتى مرحلة تتالي وتعاقب اللقطات التي تنشئ معنى ودلالة أخريين.
تبقى قدرة الصورة السينمائية لغة كلية قادرة على التواصل مع جمهورها بغض النظر عن اللغة، أو حتى المستوى العلمي والثقافي كالمسرح مثلاً. إن السينما تتفوق لأنها تشكل خطابا من فنون متراكبة، حتى وإن انعدم الحوار فهي قادرة على التواصل كما كانت في البداية صامتة لكنها ساحرة.

ذو صلة
التعليقات