مجلة شهرية - العدد (502)  | ذو القعدة 1439 هـ- أغسطس 2018 م

ظواهر فنية في التراث والثقافة

لا يوجد تعريف جامع مانع للتراث والثقافة، فهما مفردتان تحملان معاني كبيرة ذات دلالات مرتبطة بالأصالة، وهما سلطتان قويتان توجهان أفراد المجتمع إلى الامتثال بمجموعة من القيم والمثل والأفكار والسلوكيات والعقائد والأعراف التي يعتنقها المجتمع ويؤمن بها.
فالتراث الإنساني له جذور تختلف في العمق بين أمة وأخرى، فلكل أمة حضارتها التي تواكب مكانتها بين الأمم، ولها تراثها المحلي المستمد من العادات والتقاليد التي تنتقل بين الأجيال، بالإضافة إلى زخم الحكايات والخرافات والأساطير، والحكم والأمثال، ولكل هذه المصطلحات دلالات تراثية تحتاج إلى صفحات لنفرّغ فيها جميع أشكال الموروث المخزون في الذاكرة الجمعية، وهي ثقافة في مجملها، وتشكل مجموعة من السلوكيات تصب في ثقافة المجتمع.
والثقافة الشعبية لها أشكال مختلفة، تنقسم إلى طبقات متباينة تشكل هوية المجتمع، وهي في كل الأحوال تتصادم مع الثقافة النخبوية أو المعاصرة المنفتحة على الآخر، لأن الثقافة الشعبية تعتمد على الممارسات اليومية للمجتمع المحلي بصورة تلقائية غير متكلفة كالفنون المختلفة والأهازيج، والأكلات واللباس ووسائل التسلية والترفيه ورياضة الألعاب الشعبية مع فوارق بسيطة بين مكان وآخر.
ويبرز سؤال مهم، لماذا تظهر بعض الشعوب متمدنة أكثر من غيرها؟ وللإجابة عنه لا بد من البحث والتنقيب للوصول إلى أسباب هذا التباين في ثقافة المجتمعات البشرية، ولأن الثقافة بشكل عام تهدف إلى تنمية الفكر والارتقاء بالروح الإنسانية، والبحث عن مكامن الجمال فيها، فإن هذا مدعاة لخلق أنواعاً من التنافس في سلوكيات المجتمعات والأفراد أو الصراع بين الطبقات المختلفة للوصول إلى جوهر الثقافة التي تحقق الأهداف الفكرية التنويرية من جهة، وتشكل هوية ثقافية جديدة من جهة أخرى، فالثقافة تنمو مع النمو الفكري والسلوك الحضاري للشعوب، والتراكمات الثقافية أهم أركان التطور الحضاري لأي أمة، كما أن للبيئة المكانية أثراً مهماً في تشكيل ثقافة الفرد وبناء شخصيته ليس في طبيعة المكان فحسب بل في جميع المنظومة البيئية المحيطة به، الفكرية والاقتصادية والاجتماعية بما فيها من العلاقات والسلوكيات والقيم والأعراف والعادات التي يتشرب منها الفرد ثقافته البكر.
ومع التطور الحضاري للبيئات المختلفة والانفتاح على ثقافات عديدة، تتلقاها الأجيال ما جعل الثقافة المحلية تتغير وتتطور لتمازجها مع ثقافات أخرى أفرزتها الاختراعات العصرية، والتقنيات الحديثة؛ لذا فإن الأمم تسعى إلى المحافظة على تراثها القديم وحمايته من الضياع والاندثار، ومن هذا المنطلق كانت فكرة المهرجان الوطني للتراث والثقافة التي تهدف إلى توثيق الموروث الشعبي، ومع مرور الوقت استطاعت (الجنادرية) أن تكون الحدث الثقافي الأبرز في كل عام، وهناك دور مهم ننتظره من المؤسسات الثقافية والجامعات أن تعنى بالموروث شعره ونثره وحكاياته وأساطيره، وتوثيقه بالتسجيل الصوتي والمرئي والكتابي والأرشفة وجمع المخطوطات وتحقيقها وطباعتها، لتستفيد الأجيال اللاحقة من التراث الإنساني، والثقافة الشعبية، قبل أن تموت، ففيها مادة حيوية تستحق البحث والجهد والعناء والتعب.
في العقود الماضية عندما كان العالم العربي يعيش مرحلة ما بعد الثورات العربية، كانت لبنان منطقة صناعة الفن، وهي المحطة الأهم لصعود الفنانين، وقد ظهر منها عدد غير قليل من رواد الحركة الفنية في الوطن العربي قبل الثورة وبعدها مثل فيروز وصباح ونصري شمس الدين، والرحبانية وغيرهم، قبل أن تتسيد مصر الساحة الفنية وتخطف الدور القيادي، لتعيش مرحلة الزهو بعد الثورة، وكان البناء المصري في مختلف الاتجاهات الفنية والثقافية والسياسية، فعلى المستوى الثقافي كان هناك رموز الأدب والثقافة كالعقاد، وطه حسين، ونجيب محفوظ، والكيلاني، والمنفلوطي، وعلى مستوى الشعر يبرز أمير الشعراء أحمد شوقي وإبراهيم ناجي وشكري ورامي، وعلى المستوى الفني كان عدد غير قليل من الفنانين العظماء بمختلف اتجاهاتهم، في الغناء والتمثيل، مثل كوكب الشرق أم كلثوم، وهدى سلطان، وفائزة أحمد، ونجاة، ووردة، وعبدالوهاب وعبدالحليم، وفريد، ناهيك عن ظهور عمالقة الموسيقى كالحفناوي وسيد مكاوي وبليغ حمدي وغيرهم، وكذلك عظماء الجيل من ممثلي الدراما الفنية والمونولوجست، وهم كثر لا يتسع المكان لذكرهم.
وظهرت أصوات مماثلة في سوريا واليمن والأردن، وبلاد المغرب العربي لعلي أتوسع في بحث هذا الموضوع مستقبلاً. ليس هذا فحسب بل كان هناك حراك مسرحي بدأته الفرق المسرحية في البلاد العربية، وقد تفوقت في هذا الفن سوريا ومصر ولبنان والكويت والسعودية، وبدأت صناعة السينما وتفوقت مصر بدرجة عالية، ونافست في المشهد الفني، وكانت تمثل هوليود الشرق الأوسط، وفي هذه الفترة كانت الجزيرة العربية والخليج تمر بنفس الظروف التنموية في مجالات الفن والثقافة التي ابتدأت منذ أوائل الخمسينات الميلادية وتفوقت على نفسها في منتصف الستينات، وبلغت ذروتها في نهاية السبعينات، وقد ظهرت بعض الأصوات الغنائية مبكراً كطاهر الأحسائي وبشير شنان، وبرز عدد كبير من الفنانين بعد سماح الملك سعود بالفن والطرب الأمر الذي أدى إلى انتشار الفنان السعودي بشكل لافت، وكان للحجاز قصب السبق في الفن الغنائي والمونولوجست والتمثيل، وكان التنافس على أشده بين الفنانين فوزي محسون وعبدالله محمد ومحمد علي سندي وجميل محمود، وطارق عبدالحكيم الذي يعتبر الأب الروحي للموسيقى السعودية، وأول من أسس مدرسة موسيقية للجيش السعودي. ولحق بهذا الجيل عمر كدرس وسراج عمر ومحمد شفيق، وغيرهم، ولظهور طلال مداح وأبو بكر سالم في تلك الفترة أهمية بالغة فكان الوضع مختلفاً للدرجة التي جعلت طارق يتبنى محمد عبده في بداياته لمنافسة طلال، واستمرت المنافسة بينهما حتى فارق الأخير الحياة، على أنه ظهر بعد ذلك عدد كبير من الفنانين (مطربين وملحنين) مثل عبادي الجوهر وعبدالمجيد وراشد.. وغيرهم من الجيل الجديد الذين امتلأت بهم الساحة الفنية، وكان لمسرح التلفزيون الدور الأبرز في ظهور كثير من الأسماء الفنية للساحة السعودية والعربية.
والجدير بالذكر في هذا الموضوع هو اختصاص بعض مناطق المملكة بالكثير من تلك الظواهر الفنية التي بقيت راسخة في الأذهان حتى اليوم، فهناك ظواهر فنية لا يمكن نسيانها على سبيل المثال لا الحصر: (حسن دردير الذي قدم شخصية مشقاص)، و(عبدالعزيز الهزاع الذي قدم شخصية أم حديجان)، وسعد التمامي ولطفي زيني.. وغيرهم من الفنانين الملفتين للانتباه في مجالهم، وفي منطقة جازان كانت هناك ظواهر فنية غنائية ومونولوجية ترصدها الذاكرة بالرغم من خوفي عليها من التردي والضياع والنسيان، فعلى المستوى الموسيقي ظهر الفنان الموهوب (محسن مهدي) صاحب (سوقت سوق العارضة بعت فلي)، والذي كان يعزف السمسمية قبل أن يتعلم العزف على آلة العود، وكان التلفزيون السعودي في بداياته يسجل بعض أعماله الفنية مع رواد الحركة الفنية، وهناك أخوه الفنان (علي مهدي) الذي استمعتُ إليه في بيتنا قبل أكثر من خمسين عاماً في قرية القرفي عام 1386هـ، عندما أحيا حفل زواج شقيقي الأكبر علي الحربي، وهناك عدد آخر من الفنانين يمثلون ريادة الحركة الفنية في جيزان وهم يقدمون فنونهم الغنائية بلا مؤثرات موسيقية سوى العود والطبلة.
وسأذكر أسماءهم للتاريخ كالفنان حمود هبة، ومحمد حكومي، والفنان علي الصبياني، ويلحق بجيل الرواد عبدالله ومحمد دويري ومحمد جيلاني وباعشن وعلي فقيه.. وغيرهم، ثم الجيل التالي لهم متمثلاً في طلال جبلي والأخَوين إبراهيم وصالح خيري.
كان معظم رواد الفن الغنائي يكتبون الكلمات ويقومون بتلحينها، وأدائها في الجلسات الخاصة والمسامرات مع الأصحاب والأصدقاء، وكان الموسرون من أصدقائهم ممن يستطيعون شراء أجهزة التسجيل وأشرطة الكاسيت، يوثقون تلك الأغنيات التي حملت طابع المرحلة الفنية البسيطة في تلك الأيام. وما زالت بعض الأغنيات حاضرة بقوة في المشهد الشعبي الجيزاني مثل أغنية (عينه رمني) التي تحظى بشعبية جارفة في قصور الأفراح حتى الآن، ومن الأغنيات التي اشتهرت في تلك الفترة وحظيت مدينة صبيا بنصيب الأسد منها قبل أن يكتب إبراهيم خفاجي أغنيته الشهيرة (مثل صبيا في الغواني ما تشوف) والتي يتغنى بها فنان العرب، فقد كان الفنان علي الصبياني يملأ الأفق بروائعه المحلية (صبياني أركبني وراك) و(صبياني سرى للحسيني)، وغيرها من الأغنيات التي ملأت الأسماع قبل أن تتوقف الحركة الفنية الشاملة وتنحسر بعد الأحداث السياسية، والتحولات الثقافية والاجتماعية التي تأثر بها المجتمع الخليجي عندما حمل جيل الصحوة مشعل التنوير الذي قضى على كثير من جماليات الحياة الفنية، وانتشر ما سمي بالشريط الإسلامي، الذي أدى دوراً مغايراً للحراك الفني فكان له الأثر الواضح على تراجع الفنون المختلفة.
ومنطقة جازان ولّادة، فقد ظهرت أجيال عديدة في مجال الدراما الجنوبية، وما قبل الصحوة ظهر اثنان من عمالقة الفن الدرامي، أحدهما في شمال المنطقة جهة (صبيا) و(بيش) يعرف باسم (جابر)، وكانت رحلته مع أصحابه إلى الحجاز حديث الشارع تلك الأيام، متذكرين المواقف المضحكة المبكية التي جرت أحداثها خلال رحلتهم إلى جدة، بدءاً من سرقة جوادل أمه (مصاغها)، وعمله في مخبز الفرن وعمله مراسلاً ليوصل الخبز إلى (مطعم الحنان بالكندرة)، وأكل عشرين قرصاً من الخبز في الطريق بسبب البرد، مروراً برحلة خروجه مع أصحابه للنوم في القوز، وانتهاء بالقبض عليهم واتهامهم بجريمة سرقة لم يرتكبوها، والحكم عليهم بالجلد ثمانين جلدة، إلى آخر الرواية، التي تحمل في ثناياها رسائل كبيرة، كانت تصل إلى الجيل عبر شرائط الكاسيت. والظاهرة الثانية في جنوب المنطقة جهة (المسارحة) و(صامطة) ويعرف باسم (سعيد منقود)، ويظهر أن هناك شخصية أخرى باسم (ناصر منقود) الذي أعطاه دوراً قصيراً في مسلسله الجميل وشخصياته المحلية التي اختارها لتمثيل روايته الرائعة، وهم: (سنتب، وفاطم حوتان، ومريم جول، وهادي، وعنطوط، وغليون)، وغيرهم من الشخصيات التي كان يقوم فيها بأدوار جميلة في أيام الحرث التي لها عمق تاريخي كبير في وجدان أهل الجنوب.
ولأن منطقة جازان تتميز بالزراعة، كانت الرواية تحكي كل مراحل الحرث ابتداء بسقاية الأراضي من السيول، ثم البذر، والعمل على (ضمد) وهو عبارة عن ثورين مقرونين، ليختار لضمده أجمل اسمين (غُرّان وشِيحان)، وكان يتغنى بالأرجوزة الشعبية التي ينشدها أثناء الحرث، من مثل: (درمنا بين أمهياج وأميصة، عاضية ياللي تدل الكرسي، وتطرد أمصيد على امنميصة)، وعندما يصل (امزواد) الذي يأتي به أهل البيت للحراثين، وقد جاءت به زوجته الرقيقة فاطم حوتان، وعاتبته كثيراً لأنه لم يقل لها العدد الحقيقي للعمالة الذين سيسرحون معه لحرث الأرض حتى تحسب حسابهم في (أمزواد)، ولكنها استدركت، ولأنها رقيقة وطيبة طلبت منه أن ينادي على ضرتها (مريم جول)، الزوجة الأخرى التي تسكن قريبة من الأرض بحيث تسمع نداءه، ولفطنته في حبك الرواية فقد سبق له أن كلمها لتزود الحراثين ولكنها رفضت، فأعاد الطلب مرة أخرى بناء على رغبة (فاطم حُوتان)، ولكن (مريم جَوَلْ) زوجة قاسية هكذا كان دورها الذي فصله لها، للدرجة التي تقنع المستمع بصدق الرواية، وهناك عدد من المواقف التي كان يقارن فيها بين زوجتين إحداهما لطيفة ورقيقة وناعمة، والأخرى شديدة وقاسية وقوية، ولكنه عندما اشتدت المعركة بين الزوجتين مال ناحية الزوجة القاسية، على الرغم من أنها لم تقدم له شيئاً يستحق، على العكس من الزوجة الناعمة التي اجتهدت في إرضائه، وجاءت بزواد له وللحراثين، مما حدا بها لوصفه بأنه (هادي أمّريم)، وكان ذلك الموقف رسالة واضحة ليقول: إن المجتمع ظالمٌ ودائماً يقف مع القوي، وللحديث بقية..
الحديث ليس عن الفنون السبعة وتصنيفاتها، بل اقتصرنا على ظاهرة الفنون الصوتية التي تعتمد على الأذن السمعية، وفيها تتجمع الحواس الخمس لخلق جماليات جديدة تضاف إلى جمال الحياة الطبيعية المركبة من الشكل والحركة والصوت، وقد استعرضنا بعض الظواهر الفنية العربية والمحلية، وتركز الحديث حول الظواهر الفنية في منطقة جازان، وخصوصاً المونولوجست (سعيد منقود) الذي أبدع في روايته في المسلسل الجميل الذي يرصد الحركة التراثية للحرث مثل (الحمية) عندما تسمع صوت (المفقاع والميضفة) كأنها أصوات الرصاص عندما ينطلق من البندقية بهدف طرد الطيور حتى لا تأكل الحب في العذوق، مروراً بـ(النصيد) وهو حصاد العلف، و(الصريب) وهو قطع العذوق من القصب وجمعها في زنابيل، ولم يترك الفنان مجالاً أو ثغرة في روايته للانتقاص منها فكانت عملاً فنياً مكتملاً، يحاكي المجتمع بكل تفاصيله في أفراحه وأتراحه، في حفلات العرس و(أهواد) الختان ومفردها كما يسمونها (هود)، والاستشهاد بكثير من الأهازيج التراثية التهامية، في مشاهد جميلة بها الكثير من الجدة والطرافة، ولم يترك شأناً اجتماعياً دون أن يصرح به أو يلمح إليه، فقد تعرض بذكاء شديد لأصغر المواقف، وأصعبها، وبرع فيها بفن سردي إيحائي باللهجة المحلية التي عبر من خلالها بشكل مقبول ومرضٍ، وما زالت بعض المشاهد الصوتية راسخة في الأذهان حتى اليوم، ويرددها الجيل الماضي بأسلوب فكاهي أثناء الجلسات الخاصة بين الأصدقاء.
الملفت أن جميع أحداث الرواية، بما فيها من سيناريو وحوار بين جميع الشخوص الصوتية النسائية والرجالية والمؤثرات الصوتية وأصوات الحيوانات، كانت كلها من صنع الفنان نفسه، وكذلك جميع الأدوار كان يؤديها الفنان وحده، فهو الروائي والمعد والسيناريست والممثل والمخرج لروايته ويؤدي جميع أصوات أبطاله، باللهجة المحلية للبيئة المحيطة به، وتسجل في شرائط كاسيت لبعدهما عن الحراك الفني الرسمي، بينما كان يفعل ذلك عبدالعزيز الهزاع في يوميات أم حديجان عبر إذاعة الرياض، وحسن دردير في مشقاص عبر إذاعة جدة.
الظاهرة الفنية المتمثلة في (جابر) و(سعيد منقود) ملفتة حقاً، فهما يؤديان المونولوجست بطريقة فنية رائعة ويظهران ثقافتهما الفنية ببراعة متناهية، فقد كانا يؤديان مشاهد تمثيلية صوتية تحتوي على مفردات صوتية وجمل تراثية لها قيمتها الشعبية، ويختاران أبطال أعمالهما التمثيلية من البيئة المحلية بعناية فائقة، ولكل منهما لونه الخاص، وحكاياته الطريفة التي بقيت في الذاكرة الوجدانية لأبناء منطقة جازان لأكثر من ثلاثة عقود، وما زالت حتى الآن حديث المجالس للأجيال التي عاشت تلك الفترة من أعمارهم، ومن حسن الحظ أن هناك من يهتم بهما وقام بحفظ أعمالهما عبر وسائل التواصل والتقنية الحديثة، فأين تكريم مثل هؤلاء الفنانين اللذين أمتعوا جماهيرهم سنوات طويلة؟ نأمل أن تحظى إبداعاتهم بعناية الجمعيات والمؤسسات الثقافية، لما فيها من قيمة جمالية وتراثية تستحق التوثيق والدراسة.
بعد أن تحدثنا عن الظواهر الفنية الغنائية والموسيقية والصوتية من خلال المونولوجست، والأصوات التمثيلية الحركية، بقيت حالة حديثة وفريدة في فنها، تسيدت مشهد الشعر الشعبي الحالي في منطقة جازان، فقد كان الشعر الشعبي الجازاني حاضراً في المناسبات الشعبية كالعرس والهود وما يصاحبها من إيقاعات بأنواعها المختلفة التي كان لها حضورها القوي من خلال شعراء الفن العباقرة كأبي دفاش والقناعي وامسلامي، وغيرهم، ولكن هذا الفن الجميل كاد يختفي ليأتي الشاعر الشعبي الجميل محمد عطيف ويحييه بأسلوبه الخاص ومجاراته لمتطلبات العصر، وعندما اختار لنفسه اسماً حركياً اشتهر به (النابوش)، فهذا الاسم له دلالته في الثقافة الشعبية الجنوبية، بعضهم يرى أنه من الأساطير التي لا وجود لها، وبعض آخر يؤكد وجوده كأحد الحيوانات المفترسة ذات حاسة الشم القوية التي تنبش القبور وتأكل الموتى، ويظهر أنه ليس في الجنوب فحسب فقد وجدت لهذا الحيوان في تراث بعض مناطق الجزيرة العربية أسماء عديدة منها (السعلوة وهريهرا أو تريترا)، وشاعرنا النابوش أخذ الاسم للدلالة على النبش في الماضي، وإخراجه للأجيال.
الشعر الشعبي الجازاني كاد يختفي في منطقة جازان نظراً للمد الشعري القادم من نجد والحجاز بأصوات مشاهير الفن ومطربي المرحلة، نظراً لكثرة الشعراء الشعبيين، ومحترفي الشعر الغنائي، وشعراء النبط و(الشيلات والقلطة) الذين امتلأت بهم الساحة الشعبية والغنائية، فانتشرت قصائدهم بكثافة على صفحات الصحف المحلية التي خصصت لهذا الفن صفحات كاملة، وكذلك تم إصدار عدد كبير من المجلات الشعبية المختصة فاحتكرت المشهد الشعبي السعودي في مناطق معينة من المملكة وأهملت بقية المناطق.
بكل تأكيد ظهرت الموهبة الشعرية عند (النابوش) في وقت مبكر، لكن الجمهور لم يتعرف عليه إلا بعد مشاركته الفاعلة في ليالي المهرجان الوطني للتراث والثقافة (الجنادرية)، حيث أسهم بفاعلية في الحفاظ على فن التراث الشعري الجازاني، وما يسمى بالشعر اللهجي مثل (الدلع، والطارق والمعشى) وغير ذلك من فنون الشعر اللهجي وأنواعه وضروبه.
صاغ النابوش أبيات قصائده بلغته البيضاء، فكان وحيداً في فنه الذي برع فيه كتابة وإلقاء وإنشاداً، بطريقة فريدة محببة للنفس، عشقها جمهوره المحب، وهناك محاولات من بعض الشباب لتقليده، لكن تجاربهم ما زالت فتية.

ذو صلة
التعليقات