مجلة شهرية - العدد (506)  | ربيع الأول 1440 هـ- ديسمبر 2018 م

مقتطفات من رحلة روسيتا فوربس إلى جازان

من الملفت للنظر أن الكثير من الدراسات العربية التي تصدّت لتاريخ منطقة جازان لم تعتمد على كتب الرحالة الغربيين التي ضمت مادة علمية مهمة تتصل بالنواحي السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
وفي أثناء بعثتي في بريطانيا، وخلال عملي لأطروحة الدكتوراه في تاريخ الجزيرة العربية الحديث؛ لفت نظري رحلة لم تُترجم حتى وقتنا الحاضر، إذ قامت بها السيدة روسيتا فوربس إلى منطقة جازان، وذلك خلال الربع الأول من القرن العشرين.
والسيدة روسيتا جون فوربس (1890 - 1967) رحالة وكاتبة إنجليزية، ولدت في مقاطعة رايزهولم، وقد نشأت في بيئة محافظة. استهوتها الرحلات، وكانت أولى رحلاتها إلى الشمال الأفريقي، وقد رافقتها إحدى صديقاتها المقربات عام 1919م. هناك، بدأت روسيتا أولى اتصالاتها مع العرب، وعززت صداقتها مع العالم العربي عندما زارت القاهرة ودمشق وبيروت.
كانت مغرمة بحب المغامرة، وبالعرب وفنونهم وثقافتهم وسحر أشعارهم وطيب أخلاقهم. في عام 1921م، قدمت أروع مغامراتها عندما اخترقت الصحراء الليبية ووصلت إلى واحة الكفرة، لتكون بذلك أول امرأة أوروبية وثاني رحالة تصل إلى هذه الواحة بعد جيرهارد رولفز عام 1879م، وقد أصدرت بعيد رحلتها كتابها المشهور والمعنون بـ The Secret of the Sahara: Kufara (أسرار صحراء الكفرة).
وفي عام 1922م، قررت روسيتا زيارة الإمارة الإدرسية التي كانت تحكم منطقة جازان آنذاك، وقد أبحرت من بورسودان في رحلة استغرقت أربعة عشر يوماً، لتصل بعدها إلى ميناء جيزان.
وبعد أن حطت السيدة فوربس رحالها في مدينة جيزان، كان في استقبالها ابن عم الإمام محمد الإدريسي، السيد السنوسي وابنه العابد. وقد تحدثت روسيتا عن المدينة وذكرت أنها من أهم الموانئ الساحلية، وتكاد تشارك ميدي في أهميتها الاقتصادية.
قضت السيدة روسيتا ساعات طوال مع الإمام محمد، مخبرة بإلمامه بالعلوم الشرعية والفقهية، وهو يبز علماء عصره في ذلك، وعلى حد تعبيرها، أنه خريج جامعة الأزهر العريقة.
وعن عدد سكان المدينة فقد ذكرت السيدة فوربس أنها تبلغ قرابة 8000 نسمة، وهي مدينة مزدهرة تجارياً وتشتهر بتصدير القهوة والعسل واللؤلؤ والجلود وزيت السمسم والحبوب وكميات من الماشية.
ومن حيث المنازل في المدينة، فقد أبانت السيدة روسيتا أن منازل التجار والأشراف مكونة من طابقين اثنين وهي مبنية من صخور مرجانية مكسوة بالجص، علاوة على زخرفتها بتصاميم مرتفعة.
أمّا عن منازل الفقراء، ومعظمهم من الصيادين، فهي مبنية على حدّ قولها على شكل أكواخ، وهي تقصد بذلك العُشش والخداريش، والتي يتطلب بناؤها أدوات من جريد الأثل أو العروج والمض والمرخ والحشيش والطين وروث البقر.
وقد وصفت روسيتا العشّة الجازانية، فتحدثت أن المرأة الجازانية هي من تقوم بتزيينها من الداخل حيث توجد الأحصرة والسلطانيات والأطباق والأواني الفخارية، كما يوجد بداخلها الأسرّة التي يُطلق عليها في منطقة جازان بالقُعد (جمع قعادة). ومن هنا يتبين أن المرأة الجازانية كانت أداة فاعلة في مجتمعها، إذ كانت تشارك الرجل في مناشط الحياة، فتراها، وكما أبانت السيدة فوربس، دؤوبة في عملها، سواء أكانت حاطبة أم صارمة وخابطة لثمار المحاصيل الزراعية المشهورة في منطقة جازان كالذرة والدخن.. وغيرهما. وقد تضمنت الرحلة معلومات مهمة عن المرأة الجازانية أيضاً، ولعلّ من أهمها أن النساء قد يسافرن وحدهن، من منطقة لأخرى، خصوصاً نساء القبائل، غير أن نساء الطبقة الأرستقراطية، لا يخرجن من بيوتهنّ إلا لسببين اثنين هما: الزواج، أو إلى القبر حيث توارى جثامينهن الثرى ليلاً لا نهاراً.
وعن أبناء المخلاف، فقد ذكرت السيدة روسيتا أن الأمية مستفحلة جذورها، والكثير أميّون لا يقرؤون ولا يكتبون، ومن بينهم زعماء القبائل أنفسهم التي قابلت بعضاً منهم في رحلتها. وتذكر أن الشريعة الإسلامية هي المطبقة في البلاد، ويشرف عليها قضاة عينهم الإمام محمد لترسيخها بين أبناء المنطقة. إن تطبيق الشريعة، في نظر السيدة روسيتا، كان من أولويات الإمام محمد، فالقاتل يُقتل، والسارق تُقطع يده، لذلك عم الأمن والاستقرار ربوع البلاد.
ومن التقاطات رحلة السيدة روسيتا، أن شرب الدخان كان محظوراً، ولا توجد أي مقاهٍ أو مراقص للهو، والمكان الوحيد الذي رأت فيه لهواً كان يقع في تهامة اليمن الواقعة تحت السيطرة الإدريسية، حيث رأت فرقة من الدراويش، يرقصون ويغنون، بما أسمته قدراً من التوازن في الحياة.
وختاماً، فإنه ينبغي التنويه إلى أن هذه الرحلة ستخرج مترجمة وذلك في بحث أتطلع لنشره في القريب العاجل بإذن الله، ولا أودّ أن أترجم هنا كل ما قيل، وحسبي أن أُعَرّفَ القراء الكرام بهذه الرحلة التي غابت عن أذهان الكثيرين ممن كتبوا عن منطقة جازان في عهد الإمام محمد علي الإدريسي.

ذو صلة
التعليقات