مجلة شهرية - العدد (513)  | يونيو 2019 م- شوال 1440 هـ

سمات الباحث الجاد

هل أصبح العثور على الباحث الجاد نادراً في حياتنا المعاصرة، التي أصبحت تحيط بها وسائل تقنية متعددة، تقوم بمهمة التواصل المعرفي والثقافي، وتيسر سبلها أمام المتلقي؟ أم هل ما زال هناك باحث جاد رغم كل هذه التيارات الجارفة، التي تأتي على الأخضر واليابس؟
الباحث الجاد يرى أنَّ تشبثه واعتزازه بوسائل البحث (التقليدية) التي قد تدفعه إلى البحث في المنظومة العلمية والمعرفية والثقافية في المكتبات، وبين ثمرات المطابع العديدة التي تزخر بها خزانات العالم من أجل تحقيق الهدف المنشود الذي عمل الباحث من أجله بحرية وتفان وصبر وأناة، ونفي للذات، أمله في ذلك ليحصل على المعلومة الجيدة الرصينة الهادفة، التي قد يضيف بها فائدة للمتلقي.
جهد الباحث في كشف الحقائق
فأي وجه للمقارنة بين الباحث التقليدي الذي كان وما زال يشقى ويكد وينفض غبار النسيان عن عشرات المتون والمخطوطات لإنقاذها من الضياع والتلف، وبث روح الحياة فيها من جديد، لأجل تقديمها للقارئ، لينهل منها، ويقف على جوهرها، قصد إشباع نهمه الفكري والمعرفي والثقافي.
ألم تكن مقدمة ابن خلدون خير مثال على هذا؟ فقد أخرجها المرحوم محمد بن تاويت الطنجي من بين رفوف إحدى المكتبات بتركيا، ولولا عمله وسعة اطلاعه، وكثرة تنقيبه في بطون المصنفات وأمهات الكتب، وجدية بحثه لما كانت بين أيدينا اليوم؟ وأضحت من أهم المصادر العربية الإسلامية التي تزخر بعلم غزير، لا يمكن أن يستغني عنه باحث اليوم في كل مكان بالمشرق والمغرب.
إن أمثال محمد بن تاويت الطنجي وغيره، من الباحثين والمحققين الجادين، الذين يمثلون أعمدة الفكر والثقافة في العالم العربي والإسلامي، والذين دفعتهم غيرتهم واهتمامهم بتراثنا العربي والإسلامي، المبثوث في مكتبات العالم شرقاً وغرباً، منهم من قضى نحبه وبعضهم ما زالوا أحياء جادين في أعمالهم التي يقومون بها، في إخراج وتقديم عشرات المؤلفات، ومئات الأفكار، التي تختزنها الكتب والمؤلفات والوثائق، ما كانت لتكون بين أيدينا لولا إخلاصهم وحبهم وتجردهم الكامل للعلم وإعطاء قيمة للبحث والمعرفة. وما كانت لتغريهم وسائل البحث التقنية الحديثة التي يرى غيرهم أنها ضرورية لتيسير سبل المعرفة وتذليل طرقها، والوصول إليها بسرعة. لأن اقتناعهم بالارتباط بالمصدر الأصلي مباشرة، وتصفح صفحاته واكتشاف مكنوناته وسبر أغواره واستخراج دوره أفضل وأحسن من الثقافة الرقمية، التي غلبت عليها السطحية وعدم الوثوق من المعلومة، التي قد يطالها البتر والسقوط والتحريف، وقد اصطبغت بها حياتنا الثقافية من خلال وسائل ومنابر الإعلام والجامعات، ومراكز البحث.
إلا أن الأصل يبقى أصلاً، ولذة البحث والمعرفة الحقة كامنة في طرق البحث الأصلية التقليدية، لا تضاهيها أية وسيلة محدثة، تعتمد هذه التقنيات الحديثة، رغم نجاعتها أحياناً في الوصول إلى المعرفة بما اتسمت به هذه التقنية من جمع المعلومات وتدوينها وإيصالها في زمان أقصر، خلافاً لما كان قديماً من بذل الجهد الشاق للوصول إليها، والزمن الأطول الذي يستغرقه الباحث في جمعها وتبويبها، وربما كلفه ذلك الأسفار المتعبة إلى المكتبات الكبرى المترامية في أنحاء المعمورة، ومختلف أصقاع العالم.
ندرة الباحثين الجادين في المستقبل 
ولكن من يضمن لنا في المستقبل وجود الباحث الجاد، الذي يفني جزءاً من حياته بين دفات الكتب والمؤلفات قديمها وحديثها رغم ما يكلف ذلك من مجهود نفسي وعقلي وبدني، قد يسبب له مآسي في نهاية حياته؟
كل ذلك من أجل أن تبقى المعرفة جادة حقة، حاضرة في الميدان المعرفي والثقافي، الذي يعرف تطوراً كبيراً في آلياته وتقنياته وطرق بحثه، واتسمت إنتاجاته بالكم لا بالكيف، حيث تلقي المطابع يومياً بأطنان من المصنفات والكتب والأفكار، لدرجة أصبح فيها من الصعب أن تفرق بين الغث والسمين، وتتبين الصحيح من السقيم، والجيد من الرديء، إلا لمن شحذت قريحته، وبلغ تحصيله العلمي والمعرفي درجة عالية من التمحيص والتدقيق.
إن ذلك ينذر بسطوة هذا الغثاء مستقبلاً، ويهدد كياننا وأصالتنا المتجذرة في الماضي، الزمن الجميل بمحققيه ومفكريه وباحثيه وشعرائه ومبدعيه وفنانيه وكتابه، والذي حافظ عليه أجدادنا لمئات السنين، حتى وصل إلينا في حلله البهية المشرقة الوضاءة.
هذه السطوة الغثائية تجعلنا نتشاءم في إمكانية إيجاد الباحث الأنموذج، كما كان في سلف الأمة العربية والإسلامية.
فهل يعقل أن يعيش بيننا كتاب (البيان والتبين) للجاحظ، وكتاب (الكامل المبرد)، و(أدب الكاتب) لابن قتيبة، و(طبقات فحول الشعراء) لابن سلام الجمحي، و(الأمالي) لأبي علي القالي، وكتب ابن حزم، ومؤلفات ابن الخطيب، وغيرهم كثير، دون رعاية هؤلاء الباحثين الجادين قديماً، إذ قاموا بجهدهم ساهرين مضحين، وسلموها للأجيال اللاحقة المحبة للعلم والمعرفة.
إن الباحث الجاد الموسوم بالفكر الجيد، يبقى قائماً، له جاذبيته وجدارته، في الأوساط الفكرية والعلمية، وسيستمر كذلك، ولو أنه قل وندر، سيبقى ما دام هناك من يرعاه، ويهتم به، ويسعى جاهداً لخدمة العلم والمعرفة، التي تتناقلها الأجيال عبر العصور والأزمان.
لأن الأصل في جودة الأشياء القلة والندرة، وإذا تعلق الأمر بالعلم والأدب والمعرفة، فإن زماننا يشهد انفجاراً معرفياً ضخماً، ولكن لا يختلف اثنان في أن جودة آدابه ومعارفه الفكرية قد قلت أو ضمرت، فلا نكاد نسمع أو نقرأ إبداعاً قصصياً أو مسرحياً أو قصيدة، أو إنتاجاً فنياً جاب الآفاق بجودته ومتعته، كما كان في الماضي حين يهرع القراء لتلقف الإبداعات الأدبية والفنية، فيقرؤونها بنهم، ويسمعونها بشغف كبير. والسر في ذلك مستواها الإبداعي والجمالي الأخاذ للقلوب. حتى يتساءل المثقف اليوم هل يمكن أن يجود الزمان بمحقق ماهر كمحمود شاكر، أو شاعر عظيم كشوقي، أو فنان عربي قح كزكريا أحمد، أو كاتب كبير كالعقاد والرافعي، أو مفكر فيلسوف كعبد الرحمن بدوي وزكي نجيب محمود أو طه عبد الرحمن، أو مبدع في فن القصة كنجيب محفوظ وسهيل إدريس، والباحث في تراث الجزيرة حمد الجاسر، وقل ذلك في الآداب الغربية والعالمية، في الفن والأدب والفلسفة، ومدارس علم النفس والاجتماع واللغة وغيرها.
لكن الأمر يختلف في ميادين العلوم التقنية والبحوث التكنولوجية المتعلقة بالمادة المحضة، التي تخدم الجسد أكثر مما تخدم الروح وتلطفها، وتفتح قرائحها، فقد تطورت التقنية تطوراً مهولاً، وتهافت عليها الناس في زمان لا يوصف بالجميل، لقلة الإبداعات الفنية الجميلة فيه. ولعمري إن ذلك لبعيد، لا يجود الزمان بمثله مرة أخرى، إلا إذا توافرت الهمم العظمى والعزائم القوية للأخذ بالأسباب الحقيقية للعلم والمعرفة والثقافة، فإن توافر ذلك، فإدراك ذلك ليس ببعيد.
ذو صلة
التعليقات