مجلة شهرية - العدد (506)  | ربيع الأول 1440 هـ- ديسمبر 2018 م

«براري الحمّى» : المكان المريض

هل يمكن اعتبار «براري الحمى» لإبراهيم نصر الله رواية؟
هل تصلح «براري الحمى» لمقاربة الواقع المتكئة عليه؟
هل ثمة إمكانية للقول إن «براري الحمى» تستشف من الشعر أكثر من السرد؟
رواية أو هلوسة لغوية تتراكم فيها الكلمات والمشاهد وشخصيات تعبر دون أن يفهم وظيفتها؟ تطل شخصية وأخرى كظلال مبتورة ترمي كلمات قليلة ثم تغيب لتبقى في الواجهة شخصية الراوي الوحيدة، فتتحاور مع نفسها، تختلف، ثم تبحث عن «جثتها» الحاضرة الغائبة.
 

أسئلة كثيرة تطرح نفسها بعد طوي الورقة الأخيرة من الرواية، حيث يجد القارئ أنه خرج من بؤر التأويلات والإشارات والتكرار والأماكن الطوطمية والرؤى المشبعة بشعرية مكثفة دون أن يتمتع بالخروج من دوائر سعى الراوي لرسمها ثم تركها دون أن يقفلها.
ما هو ثابت أن الرواية صدرت سنة 1985م عن دار الشروق، وأعيد نشرها في ثلاث طبعات عربية فيما صدرت حديثا بترجمة دانماركية عن دار أندرسكوفن ترجمتها ماريان مادلونغ، وكانت صدرت بترجمة إنكليزية عن دار إنترلينك في نيويورك وترجمة إيطالية أصدرتها دار إيليسو.
المكان/الزمان... الرمل
تدور أحداث «براري الحمى» في الصحراء، تحديدا في القنفذة في سبت شمران، حيث «الجهات كلها تدل إلى «ثُريبان»، في «ظل المكان المقيد». و»السيول تداهم الكائنات وسفوح الجبال»، فيما البيوت نوافذها عالية دائما «كنوافذ السجن»، و»البر الواسع الضيق المتخم بالنفط والسل» (ص 131)، فلا «مكان هنا لغير الحمى» (138)، والبحر بعيد.
فالقنفذة وحدها كانت بجبالها الجرداء، وجلدها الحجري المتشقق تستلقي جثة متفسخة، أغارت عليها الذئاب والثعالب والضباع ونهشتها الأفاعي والليالي القاسية(13). هي القنفذة إذن. مدينة بلا بحر والماء ملؤها/ مدينة بلا أرض. والرمل يغطي كل كائناتها(49).
أما سبت شمران فحجارتها موزعة بين تلّين من الصخور السوداء... موزعة في حجارة تلمع كالسكاكين، تخترق صدور العصافير وزرقة السماء وقرص الشمس الباحث عن الظل بين البيوت. سبت شمران الحزن والدم.. والموت. وكلما مر بها غريب خيّل إليه أن حربا وقعت، حصدت الحركة وتركت الحجارة، هي حرب غير معلنة بين دبيب الحياة وهدأة الجثث (19). قرية لا تشبه القرى، غرفها صغيرة بسقوف من عيدان الذرة، أبواب بلا أقفال، ولياليها طويلة بلا ضوء.
وفيما مقبرة ثُرَيبان صغيرة فإن مقبرة سبت شمران أكبر، والمهبط الأفضل لرفوف الغربان، مقبرة تبدو كمدينة كبيرة ابتلعت عشرات القرى (15). لكن اللافت أن «القبور بلا أسماء، بلا شواهد، قرى واسعة بلا شواهد».
ثُريبان تبدو من بعيد مقسّمة بين بياض غرفها، وحلكة أسوارها الحجرية العالية، وأبراجها التي تنتصب كأن الحرب ما زالت قائمة بين القبائل، فيها ساحة وحيدة تهب من بين ثناياها رائحة روث المواشي، فيما مدرستها الوحيدة مقاعد طلابها بطانيات، أما «الألواح الخشبية فستكون موجودة بعد أيام».
يمكن للقارئ أن يستشف زمان الرواية في بدايات الثمانينيات الميلادية، وذلك إثر ورود سطر عن خبر في جريدة يشير فيها الأستاذ محمد إلى الغزو الإسرائيلي لجنوب لبنان (58)، والمعروف أن ذلك حدث في يونيو من عام 1982م، كذلك من خلال ذكر شق الطريق إلى المنطقة من خلال الشركة الإيطالية (ص 103، 110، 111).
إنها رواية مكان يجثم على الزمن والأحداث والشخصيات، فتتبعثر الحكاية، لينتقل أولها إلى منتصفها، وآخرها يحل بدايةً... وهكذا، تتنقل الدوائر قصصا صغيرة سريعة، يجمعها بطل بنفس منشطرة وبظل ضائع، وهلوسات لا تنتهي إلا لتبدأ من جديد.
المكان/ الإنسان... الحمى
المكان يسيطر على أشخاص غائبين في الحمى، فالشخصيات بين «طعنة الحمى وهوة الهذيان»، وكما جاء في صفحة 49: «نحن هنا غير موجودين»، وفي صفحة 137: كلنا جنس واحد في هذه الصحراء تختفي الأنوثة والرجولة.
إنها رواية مكان، رواية تتبخر فيها الحالة الإنسانية في مساراتها العادية؛ فلا طموح ولا تطور ولا أحلام سوية، المكان هو الحاضر بثقله كله، فارضًا قرار الموت والغياب على الإنسان والنبات والحيوان والأشياء؛ فالإنسان يقبع في إطارات ضيقة لا يقدر سوى على إبراز غرائز بدائية تنتفي فيها السلوكيات الحضارية، وهذا ما يظهر اشتعال غريزة الاعتداء الجسدي والروحي واللفظي، فيما النبات لا يجد نافذة للعيش في الرمل، وما هذا العجز عن الحياة سوى حالة يتماهى فيها كل شيء؛ فـ «كأن البحر هنا، ولا يوجد ماء... كأن الرمل هنا ولا توجد أرض».
ويعبر البطل عن ذلك بقوله: يلزمنا روح طليقة، يلزمنا أن نكون موجودين فعلا في الأماكن التي نسكنها، ونحن غير موجودين، في أماكن ليست موجودة على الإطلاق (49). أما الأشياء فتغوص وتتهاوى وتتحول إلى كثبان رمل.
لعبة التشظي والمخاطب
علميًّا عندما يدخل الجسد في الحرارة المرتفعة نتيجة مرض ما يفقد المصاب السيطرة على كلماته إلى حد ما، فتخرج متشظية، مكسورة، ولا ترابط فيما بينها، فتجتمع عند حدود الخوف من الموت، وبالإحساس العابر أو الراسخ أن هذا الجسد لم يعد يمتلك القدرة على العودة إلى العافية الصحية.
هل هذا يعني أن شخصية الرواية المنشطرة إلى اثنين، مصابة بالحمى؟ أم أن المكان هو المصاب بذلك؟
المكان القنفذة ... «طعنة كفيلة بأن تشطر الإنسان شطرين»(60)، والأستاذ محمد القادم للتعليم في هذه الصحراء، يصبح تلميذًا يبحث عن «أناه» التي خرجت منه بعد أن طرق خمسة أشخاص بابه طالبين منه التبرع لدفنه لأنه «مات» بعد الغروب تماما، ومذاك يتغير الضمير المتكلم «أنا» إلى المخاطب «أنت»، ويصبح أحيانا «هو»، لا سيما عندما يقطع الرواية في صفحة 33 بعبارة «مشهد» وفي صفحة 35 بعبارة «ستارة»، فيلاحظ أن صيغة الضمير تتحول إلى «هو» و «أنت» و«أنا»، والضمائر الثلاثة تعود إلى شخص واحد. وهذا الأسلوب قلما استخدم في الأدب العربي والعالمي.
الأستاذ محمد طويل بعض الشيء، شعره خروبي أجعد، عيناه بنيتان، بشرته حنطية، ويبدو حزينا بعض الشيء، يعيش في «غرفة» مفتوحة على الصحراء، تضم سريرين وفراشاً وطنجرة وبعض الصحون، وعشرين علبة سردين، وعشر علب فاصوليا، وخمس علب فول ومثلها علب حمص، وفي زوايا الغرفة تكدست أكياس الذرة، أرضها رمل، وبابها حديدي وتعشش فيها الخفافيش. وعاش قبل قدومه إلى ثُريبان بطالة ثم اشتغل بالبناء قبل أن يصبح أستاذا لمادة اللغة العربية.
يمتلك دجاجتين: بيضاء وسوداء، وديكا لا يصيح في الصباح، وبعد الصفحة37 حيث امتدت قصيدة على مدى صفحتين، تغير الحال، حيث «دقائق مبعثرة فقط، ثم أرعد الجمر في عظامك، ولم تعد تعي شيئاً».
الأستاذ محمد حالة يأس مطلقة، «فلم يعد الظل يسكن هذا الدم الحار»، ولا الشجر يظلله، وعندما يتحسس رأسه حتى يتأكد أنه ما زال موجودا، لا يجد طريقة ليتحسس بها يديه، ليوقن أنه قد تحسس رأسه فعلا. أما جسده فيعلو كشاهد قبر تغير عليه الريح فيلوذ بالجثث. وكان بوده أن يرى الأرض، الأرض خضراء، وفيها عصافير وأشجار، غزلان وأرانب برية مراوغة. وبوده أن يقرأ صحيفة في يوم صدورها. سلوته تذكر الثلج الذي كان يفترشه في سيارة الجيب، يشحن من جدة حتى القنفذة ليباع بالكيلو.
وبعد أن سعى لإيجاد نفسه تعود «أناه» فجأة بعد تهديد «عبشان» له مطالبا إياه مغادرة المكان، بسبب خوفه على امرأته الجميلة.
مكان يتأنسن بشكل مرضي، حيث يبدو كمخلوق ضامر أكلته كل أمراض العالم، من الرشح حتى السرطان، مرورا بالسل والإنفلونزا(19). مكان يجتر ساكنيه ثم يتركهم للحمى والوحدة القاتلة. مكان أيامه حجرية وسهوله حجرية تمتد مئات من الكيلو مترات. مكان ضحكته مبكية وشمسه صقر يقلب الأرض بعينيه الحادتين بحثا عن طريدة يلتهمها. مكان يطوق ساكنيه بأشجار الدوم البرية والشوك والصبار والغربان والعقارب والقرود.
أما الطريق فتسير عليها الشاحنات المحمّلة بالسُّل والدقيق، بفقر الدم وبقايا الصحف التي مر على صدورها أكثر من شهر. وسحابة الغبار هي الوحيدة التي تنبئ عن وصول سيارة في هذه البراري. وأخبار العالم تصلك بعد أن تنتهي الحرب، كذلك، الوردة تصل بعد أن تذبل، والرسائل بعد أن تفقد حرارتها في ليل الصحراء، والجثث بعد أن تتعفن.
لا يلمس القارئ حالة تفاعل جدية في هذه الرواية، حالة تسعى إلى البناء وتحقيق الطموح ومد جسور للتواصل الإنساني، فمع كل سطر جديد تفوح رائحة المرض والخوف والقلق والجنون والموت، حتى الطاولة تفقد إمكانية المشاركة بـ «علبة السردين، أو علبة الحمص، أو رغيف الخبز»(42).
محمد البطل المحوري تشير الدلالات إلى أنه جاء إلى هذه «الصحراء» من مكان آخر، فدفتر الإقامة الخضراء الذي يحتل منتصف الطاولة، يعني أن هذا الأستاذ أجنبي ومسلم.
وهناك إشارة إلى ذكر الشهور كما يذكرها أهل بلاد الشام أي في لبنان وسوريا وفلسطين والعراق والأردن، مثل ذكر شهر نيسان (أبريل)، وأيار (مايو)، وأيلول (سبتمبر).
وقبل أن يقابل محمد رئيس الشرطة يقرر أن يرتدي الدشداش، فذلك يجعله يثق به أكثر(14)، فيما اتهام الإنسان في هذا المكان باختفاء إنسان آخر «قضية تجعلك وجبة للسياف بين ليلة وضحاها»(14).
أمام الجهات التي تبدو مشلولة تحل علبة البيبسى كولا محل المياه، المياه التي ترتفع رذاذا دمويا، ولا تزهر، وتكون دائما سيلا مدمرًا(60). ورغم ان الماء يحيي لكن لا يمنح هذه الأرض خضرة(71).
أما أغنية «القَحِم» صديق سائقي الشاحنات وسيارات الجيب فتتحول إلى مارد الغبار(25). والخواجات يبحثون عن المعادن في جبال عسير، وجبال عسير مليئة بكل شيء وخالية منّا(43). فيما الفزاعتان تنكمشان على بعضهما خوفًا من المناقير الصغيرة الجائعة أبدًا(76).

pantoprazol 60mg pantoprazol yan etkileri pantoprazol iv
ذو صلة
التعليقات